تبلیغات
alarabee - الأبعاد الفلسفیة فی قصة حیّ بن یقظان عند ابن طُفَیْلْ 2

فلسفة ابن طفیل: من الطبیعة إلى ما وراء الطبیعة

تنبه ابن طفیل منذ قرون عدیدة إلى ما یمكن أن یؤدیه الفن فی التعبیر عن فكره الفلسفی، فكان أن استخدم فن القصة، وكانت قصة حی بن یقظان التی قدمت لنا فكر ابن طفیل الفلسفی، فإذا نحن أمام سیرة للمعرفة الإنسانیة.

أ - من العزلة إلى المعرفة

فی سیرة المعرفة الإنسانیة تلك التی یعرضها كتاب حی بن یقظان تلفت نظرنا فی نشأتها تلك البیئة، ونعنی بها العزلة عن الناس، التی یعیشها نموذج هذه السیرة. وسرعان ما یتكشف لنا أن حیاً أخذ یغالب هذه العزلة بطلب المعرفة، فطلب المعرفة وسیلة من وسائل التغلب على العزلة، إذ تدفعنا المعرفة إلى الانصراف عن عزلتنا المركزة فی ذواتنا، وتنقلنا إلى مكان آخر وزمان آخر، حیث نتصل بالذات الأخرى، فهی فرار من العزلة ومخرج لمعرفة أنا أخرى. وعن طریق المعرفة یخرج الانسان من توحده، ویتوقف عن الحیاة فی نفسه لنفسه. ولیس من الممكن أن نتجاهل الجانب الاجتماعی للمعرفة إذ أنها تساعد على إقامة الاتصال بین الناس، فإن كل محمولاتها وكل منطقها الجماعی وجهازها المنطقی من تصورات ولغة ومعاییر وقوانین.. كلها اجتماعیة.

وللمعرفة عند ابن طفیل نهج وصفات. أما النهج فهو سبل وأسباب الحصول علیها، وهی عدیدة: النظر، المراقبة، المحاكاة، الملاحظة، الاكتشاف، المصادفة، الحاجة، التجربة، الاختبار، المقارنة، القیاس، الاستنتاج، الحدس، التصرف.. إذاً فالمعرفة مكتسبة ولیست مخلوقة، وتلك هی الصفة الأولى من صفاتها، أما الصفة الثانیة فهی أن المعرفة متطورة ولیست ناجزة، وعلى هذا كانت صفتها الثالثة كمتدرجة ولیست خالصة. أما الصفة الرابعة فهی كونها متفرعة متنوعة.

ویكاد النظر والمراقبة والملاحظة تجتمع معا، ذلك أن حیاً كان "ینظر إلى جمیع الحیوانات" "وكان یرى أحیاء الوحوش تتحامى میتها وتفرّ عنه".. كل هذه الاقتباسات وأخرى تدل على اجتماع النظر والمراقبة والملاحظة.

أما المعرفة عن طریق الاكتشاف أو الصدفة، فبمسعى حی (قیامه بتشریح الظبیة) یكتشف حی ما فی داخل الظبیة من أعضاء داخلیة وصفاتها ووظائفها، وقد یجتمع الاكتشاف مع الصدفة فیأتی نتیجة لها.

أما المحاكاة وهی من نتائج النظر والمراقبة والملاحظة، فقد باشرها حی منذ طفولته مقلدّاً الحیوانات والطیور فی دفاعها وكسائها فیتخذ له بدل قرونها وأنیابها عصیاً وبدل وبرها كساء من أوراق الشجر أو من ریش الطیر. وبعدما یشرح الظبیة یدفنها تقلیداً للطیر فی دفن موتاه.

أما الحاجة فكانت تدفع بحی إلى المعرفة بین الحین والحین. فحاجة حی لاتقاء البرد وللحمایة دفعته إلى تقلید الحیوان فی كسائه ودفاعه عن نفسه. "واهتدى إلى البناء بما رأى من فعل الخطاطیف.. فاتخذ مخزناً وبیتاً لفضلة غذائه".

أما التجربة والاختبار فیتجلیان فی مواضیع عدة، منها تشریح حی للظبیة، ثم اختباره لقوة النار.

والمقارنة والقیاس والاستنتاج هی نتاج ما تقدم من سبل وأسباب مجتمعة أو منفردة بنتیجة تجربة حی فی تشریح الحیوان یستنتج حی وجود روح حیوانی فی أجزاء الجسم المختلفة، ویتبین له اختلاف الأشیاء بصفات واشتراكها أو اتفاقها فی صفات أخرى من خلال تصفحه الأجسام. ثم یتوصل حی بالقیاس والمقارنة إلى طبیعة المادة وتركیب الأجسام من هیولی وصورة حتى إذا تأتى له ذلك خلص إلى أن الفساد مُحدثٌ للصورة وهكذا حتى آخر أدوار حیاته قبل لقائه بأسال.

أما الحدس فهو طریق حی لمعرفة ما هو غیر محسوس عن طریق ذاته، ویأتی هذا الحدس دوماً مرتبطاً أو ناتجاً عن أسباب ومصادر. فوجود العالم هو الذی جعل حی یحدس بوجود قوة أقوى ذلك أن "كل حادث لا بد له من مُحْدِث".

بقی السبیل إلى السعادة وهو فی دوام المشاهدة للموجود أمامه ویتسنى ذلك بالمشاهدة الصرف والاستغراق الكامل بوجه من الوجوه أو بشیء من الأشیاء.

إذاً فالمعرفة، لا بد أن تكون مكتسبة، لا مخلوقة مع الإنسان. وهذه المعرفة لا تقف عند حد، فهی تتطور وتتدرج. فحی یرتقی فی المعرفة عن طریق الحواس والنجربة إلى المعرفة العقلیة القائمة على الإستنتاج من التجربة فی عالم الأرض إلى التأمل فی السماء والعالم بأسره خروجاً من الطبیعة إلى ما بعد الطبیعة، وكان لا بد وللمعرفة تطورها وتدرجها من الطبیعة إلى ما بعد الطبیعة أن تتفرع جوانبها فتتنوع موضوعاتها. وهكذا توصل حی إلى الإحاطة بمواضیع تنتمی إلى ما اصطلح على تسمیته بالعلوم وهی بالواقع الصیغ التی انضوت فیها المعارف الإنسانیة، وهكذا حوت قصة حی بن یقظان التربیة Pedagogy، والجغرافیة Geography، وعلم نشوء الكون Cosmography، والریاضیات Mathematics، والأخلاق Moral، والفلك Astronomy، والعلوم الطبیعیة من فیزیاء Physics، والكیمیاء Chemistry، وعلم الحیاة Biology، وأخیرا إلى علم الإجتماع Sociology، وما وراء الطبیعة Metaphysics.

لا بد لنا أن نقارن بین الالتقاءات العجیبة بین المعرفة عند ابن طفیل وبین المعرفة عند دیكارت. 

فالقواعد الدیكارتیة الأربعة فی المنهج، نجد ملامحها فی المباحث التی یقوم بها حی. فالقواعد الدیكارتیة الأربعة هی الیقین، وخلاصتها تجنب التهور والسبق إلى الحكم قبل النظر، قاعدة التحلیل، وقوامها تقسیم المشكلة التی تُدرس إلى أجزاء بسیطة قدر الحاجة، وقاعدة التركیب والهدف منها التدرج فی المعرفة من البسیط إلى المركب، ومن ثم قاعدة الإحصاء أو التحقیق ومفادها القیام باحصاءات كاملة ومراجعة شاملة للتحقیق من أن الباحث لم یغفل شیئا.

وعلى الرغم من أن ابن طفیل لم یتخلَّ عن القیاس الأرسطوطالیسی، فإنه لم یكن بعیداً عن تلك الاستوائیة القائمة على المنهج التجریبی الذی نادى به بعده بعدة قرون فرانسیس بیكون صاحب "الأرجوان الجدید" عندما ذهب إلى "أن الفلسفة الحقیقیة إنما تلك التی تعمل على إیضاح لغة الكون وتفسیر كلمات الطبیعة فلا تُضیف شیئا من عندها إلى ما تجده مدوناً فی الطبیعة أو ما یملیه علیها الكون" ذلك أننا نجد حی بن یقظان یسعى عبر قصته إلى إیضاح لغة الكون مما یملیه علیه هذا الكون وإلى تفسیر كلمات الطبیعة من خلال ما وجده مدوناً فیها.

ب - تربیة حی بن یقظان

أول ما یُلفت النظر فی تربیة حی بن یقظان هو ذلك الحنان الذی تُضفیه الظبیة على ربیبها حی. لم یترك ذلك الحنان أمر ترك الطفل ینشأ تنشئة طبیعیة بحیث تنمو شخصیته بحریته دون أن تفارقه مربیته الظبیة. وبعد موتها نجد حیّ بن یقظان إنساناً یعیش بعیداً عن المجتمع البشری یسعى إلى النعرفة ویكتسبها متطوراً بكل الأسالیب المذكورة أعلاه.

أما الأخلاق فی قصة حی بن یقظان فهی تتجلى حیناً فی موقف نفسی عاطفی یظهر مثلاً فی تلك المحبة، وذلك العرفان بالجمیل من حی نحو الظبیة التی ربته من خلال مساعدتها وإطعامها وجلب الثمار لها عند عجزها. كما نرى الأخلاق تتجلى حیناً فی موقف من النمط الاجتماعی التمدنی – رغم عدم وجود مجتمع أو مدنیة – بمساعدته كل الحیوانات أو الطیور التی تعانی من عاهة ما أن یساعدها، برفعها او اقتلاع شوكة ضارة.. ویصل الموقف الاجتماعی التمدنی لدى حی على المستوى الطهارة وإزالة الدنس والرجس عن جسمه والاغتسال بالماء فی أكثر الأوقات، وتنظیف ما كان من أظافره وأسنانه وبواطن بدنه، وتطییبها بما أمكنه من طیب النبات وصنوف الدواهن العطرة.

ج - حی من معارف إلى الطبیعة.. إلى علومها

وكانت المعرفة بالصیغة التی سُمیت علوماً طبیعیة هی أول ما وصل إلیه حی بن یقظان، وقد باشر بعلم الحیوان والطب إذ قام بتشریح الظبیة وتعرف إلى أعضائها الداخلیة عضواً عضواً ودقق فی أوصافها ووظائفها، ومن ذلك ینتقل إلى النبات والمعادن وأصناف الحجارة والتربة والماء والبخار والدخان.

وبالنسبة إلى صفات الأجسام وخواصها نجد حیاً یكتشف الأحجام فی الأجسام، وإلى الحرارة والبرودة وتحولاتها ونحو ذلك من الاختلافات. ویبدو أن حیاً اكتشف الجاذبیة وأثرها على الأجسام من حیث ثقلها. 

أما مسألة النشوء، فنراه فی ولادة حی بن یقظان نفسه حیث یعرض ابن طفیل النشوء المرتجل لحی بن یقظان على أساس أنه عمل طبیعی یلتزم بمسألة النمو الطبیعی أی البیولوجی من خلال التغذیة والحفاظ على صحة المولود.

والجدیر بالذكر هنا أن المكان الذی ذكره ابن طفیل عن حدوث النشوء الطبیعی فیه جزیرة من جزر الهند تحت خط الاستواء هو نفسه الذی یشیر إلیه إنجلز فی بحثه تحت عنوان: "دور العمل فی تحول القرد إلى إنسان" .

وقد كان التشریح أداة حی للتعرف إلى الأعضاء ودراسة وظائفها. فإذا بقصة حی بن یقظان تقدم ما یشبه دروساً ابتدائیة فی التشریح وأصوله. ثم ینتقل حی من وصف الأعضاء ووظائفها وسیما القلب إلى التعرف إلى الحواس ومیزاتها، ویلاحظ حی بن یقظان دقة الحواس بالدماغ والأعصاب.

د - حی من الهندسة إلى الفلك

والسؤال هو ما إذا كان حی بن یقظان عندما أثبت بطلان لانهائیة الجسد بنموذج هندسی كان یسلك مسلك العالم التجریبی، أم مسلك الفیلسوف العقلی. وأبعد من ذلك، أكان ابن طفیل فی معرض ذلك یأخذ بالهندسة الإقلیدیة أم یذهب إلى أبعد من ذلك؟ الجواب على السؤال یعود للاختصاصیین فی الریاضیات، لذلك نقف عند حدود عرض النموذج من خلال ما قاله هانز ریشنباخ فی كتابه "نشأة الفلسفة العملیة". 

یستنتج راینباخ أن الطابع الفلسفی للهندسة ینعكس فی كل الأوقات على الاتجاه الأساسی للفلسفة، وبذلك كان التطور التاریخی للهندسة ینعكس فی كل الأوقات على الاتجاه الأساسی للفلسفة. وبذلك كان للتطور التاریخی للهندسة تأثیر قوی فی تطور الفلسفة. فالمذهب العقلی الفلسفی، من أفلاطون إلى كانت، كله قد أكد ضرورة بناء كل معرفة على نموذج الهندسة. وكان الفیلسوف العقلی قد بنى حجته على تفسیر للهندسة، ظل بمنأى عن الشك طوال ما یربو على ألفی عام. هذا التفسیر هو القائل أن الهندسة نتاج للعقل، بعین العالِم الفیزیائی. وعبثاً حاول الفلاسفة التجریبیون أن یكافحوا ضد منطقة میئوساً منها. غیر أن الآیة انعكست بعد كشف الهندسة اللأقلیدیة. فقد اكتشف الریاضی أن ما كان یستطیع إثباته لا یتعدى أن یكون نسق علاقات نسق اللزوم الریاضیة، أی علاقات "إذا كان.. فإن" التی تؤدی من البدیهیات إلى النظریات الهندسیة. ولم یعد یرى أن من حقه تأكید الحجة بالبدیهیات، وترك كهمة إصدار هذا التأكید للفیزیائی. وهكذا أصبحت الهندسة الریاضیة حجة حقیقیة تحلیلیة، واستسلم الجزء التركیبی من الهندسة للعلم التجریبی، وفقد الفیلسوف العقلی أقوى حلیف له، وأصبح الطریق خالیاً للتجریبی. ولو كانت هذه التطورات الریاضیة قد حدثت قبل حدوثها بألفی عام لاختلفت صورة تاریخ الفلسفة. 

وعلى كل، فإنه لا خلاف على أن ابن طفیل قد جعل حی بن یقظان یعتمد الریاضیات لیتأكد من نظریاته الفلسفیة، ذلك أن حیاً بعد أن ینتهی إلى هذه المعرفة "تفكر فی العالم بجملته، هل هو شیء حدث بعد أن لم یكن، وخرج إلى الوجود من العدم؟ أو هو أمر كان موجوداً فیما سلف، ولم یسبقه العدم إلى بوجه من الوجوه". فی هذه العبارة یلمح ابن طفیل إلى المبدأ المشهور الذی أثبته لافوازییه بعده بستة قرون عندما قال: "لا شیء ینعدم فی الصدفة ولا شیء یُخلق من العدم، كل شیء یتحول ویتبدل" .



ه - حی یخرج إلى ما وراء الطبیعة

قبل أن یطرح حی بن یقظان مسألة قدم العالم، نجده یمرر مبادئ فلكیة وكوسموغرافیة مختلطة بالجغرافیا. نلاحظ أن اهتمام ابن طفیل بالعالم الطبیعی عظیماً جداً، لكن قصد تألیف حی بن یقظان أن یبحث عن عالم ما وراء الطبیعة فی الدرجة الأولى.

ونضیف أن ابن طفیل قد أراد من خلال تناوله عالم ما وراء الطبیعة كشف الوصول إلى "الحكمة المشرقیة" التی ذكرها ابن سینا، كما أكد ذلك لبن طفیل نفسه فی مطلع قصة حی بن یقظان، باعتبار أن الحكمة المشرقیة على ما یبدو من رأیه هی قمة المعرفة الإنسانیة.

ما وراء الطبیعة یتناول الوجود الطبیعی فی ماهیته الأولى التی لم یتح للوجود الإنسانی معاصرة أو مشاهدة نشوء هذه الماهیة، ولم یكن للعقل البشری المجال للإحاطة بمدى هذه الماهیة. ولتأریخ نشوء الوجود الطبیعی لا بد من اعتماد المقیاس التقلیدی ونعنی به الزمن. وفی قصة حی بن یقظان لا یُجْزَمْ ما إذا كان الزمن سابقاً لوجود العالم أم لاحقاً به.

ونحن نرى أن المشكلة الأساسیة فی نظر ابن طفیل لیست هی اعتقاد حدوث العالم أو اعتقاد قدمه، وإنما هی فیما ینشأ عن كل من الاثنین، وهو یرى أنه سواء اعتقادنا قُدم العالم أو حدوثه، فإن النتائج عن ذلك واحد، وهو أن هذا العالم لا بد له من موجِد ومن محرك.

وعلى كل فإن نشوء وتحقق الوجود یمر عند ابن طفیل بمراحل ثلاث هی، وهذا یعنی أن ابن طفیل قد ذهب مذهب أرسطو فی ذلك: 

- الهیولی: ومن المعروف أن الهیولی شبیهة بالعدم فهی خالیة من الحیاة مجردة من الماضی المادی وتنتفی منها الصورة.
- العناصر الأربعة: وهی الماء والهواء والتراب والنار، وهی المظاهر الطبیعیة الأولى أو أولى مراتب الوجود، فقد تبین لحی أن جمیع الأجسام التی فی عالم الكون منها ما تتقوم حقیقتها بصورة واحدة زائدة على معنى الجسمیة، وهذه هی العناصر الأربعة.
- الصور: ومنها تتقوم حقیقتها بأكثر من ذلك كالحیوان والنبات. فما كان قوام حقیقته بصور أقل، كانت أفعاله أقل، وبعده عن الحیاة أكثر، فإن عدم الصورة محله لم یكن فیه إلى الحیاة طریق، وصار فی خال شبیهة بالعدم، وما كان قوام حقیقته بصور أكثر، كانت أفعاله أكثر، ودخوله فی حال الحیاة أبلغ. وإن كانت تلك الصور بحیث لا سبیل إلى مفارقتها لمادتها التی اختصت بها كانت الحیاة حینئذ فی غایة الظهور والدوام والقوة.

فالشیء العدیم للصورة هو الهیولی والمادة، والمادة ولا شیء من الحیاة فیها وهی شبیهة بالعدم، والشیء المتنوه بصورة واحدة هی العناصر الأربعة وهی أولى مراتب الوجود فی عالم الكون ومنها تتركب الأشیاء ذات الصور الكثیرة. 

وهكذا كانت الطریق التی سلكها حی نحو الحكمة المشرقیة تكشف عن أسرارها.. فما هی الحكمة المشرقیة هذه؟


و - حی من الحكمة المشرقیة إلى التصوف

یذكر ابن طفیل فی مطلع قصته أن الحكمة المشرقیة المقصودة هی "التی ذكرها الشیخ الإمام الرئیس أبو علی ابن سینا". والحكمة المشرقیة، عند ابن سینا، هی إدراك حقائق العالم من طرق الإرادة والعقل. وسبیل ذلك أن یقصد الإنسان إلى أن تتسع معرفته بالوجود ویعظم اختباره حتى یصبح له حدس قوی فیصرف حقائق العالم وعلل المظاهر المتعددة بأدنى تأمل. ویرید ابن سینا أن یفرق بین الحكمة المشرقیة وبین التصوف حینما یقول وهو المعنى الذی یسمیه الصوفیة بالاتحاد. ومع أن ابن سینا ینسب هذا العلم إلى الإدراك العقلی، فإنه یعتقد أن العبادة الباطنة على الأخص وهی التأمل والاستغراق فی تفهم حقائق العالم، كالعبادة الظاهرة من الصلاة والصیام، تساعد هذا الإدراك على أن یقوى. أما ثمرة هذا التفهم لمظاهر الوجود وحقائقه، ثم الاستعانة على ذلك بالعبادة الظاهرة والباطنة فهو الكشف أو المشاهدة. وهذا ما أشار إلیه ابن طفیل.

وهكذا نرى بوضوح أن الحكمة المشرقیة توافق التصوف المعتدل فی النتیجة فی الكشف والمشاهدة ولكنها تخالفه فی الطریقة. إن الكشف فی الحكمة المشرقیة یأتی من طریق الإرادة والتفكیر فإذن هو إدراك عقلی واضح. أما فی التصوف فإن ما یُسمى كشفاً یأتی عن طریق إماتة الحواس وإنكار التفكیر، فإذن هو صور تُنسَج فی الخیال .

وعندما نتابع سیرة حی بن یقظان نجد أن حیّاً قد استطاع أن یحیط بكل شیء عن الوجود من أدنى الأجسام المادیة وأصغرها إلى أرقى درجات الصور الروحانیة عن طریق العقل الذی أعیاه فأصبح متصوفاً، وعرف الله من خلال المشاهدة والكشف. أما كیف حصل على هذه النتیجة، فبوثوب العقل إلى نتیجة التأمل الذی خضع له العقل زمناً طویلاً قبل ذلك من غیر شعور بأنه قد مر فی مراحل طوال كثار قبل أن وثب إلى تلك النتیجة المعینة.

وللوصول إلى هذه المعرفة لم یسلك حی سبیل التعلم، فهو لم یكن قد التقى باسال، بل سلك سبیلاً آخر هو التصوف، وذلك باعتبار أن التصوف هو أسلوب من أسالیب المعرفة، أو على حد شرح ومقارنة ر. أوتو R. Otto فی كتابه Zur Wesendeutung west – Ostlich Mystik: Vergleich und Unters Cheindung ، حیث یُظهر أن المعرفة الإنسانیة فی نظر الصوفی لیست مقصورة على معطیات الحواس، كما یقول العقلیون فإن هذا فی نظر الصوفی تحدید لمدى النشاط الروحی عند الإنسان وتخطیط قاصر لمیدان الحیاة الروحیة، لأن وراء كل هذه المعارف وفوقها نوعاً ثالثاً من المعرفة هو المعرفة الذوقیة التی یصح أن نسمیها المعرفة الإلهامیة. إن العقل وحده یفشل فی الوصول إلى الحقیقة المطلقة، إذ المطلق اللامتناهی لا یمكن إدراكه بإرادة لا تعرف المتناهی فی الأشیاء. والفیلسوف المیتافیزیقی على خطأ – كما یقول كانت – عندما یطبق مقولات العقل الخاضعة لهذا العالم على موضوعات ما بعد الطبیعة التی لا تخضع لهذا العالم، هو فشل ما بعد الطبیعة. ولكن كانت نفسه الذی أغلق باب المعرفة بمسائل ما بعد الطبیعة فی وجه العقل النظری، فتح هذا الباب فی وجه العقل العملی الذی یعمل عن طریق التجربة والإدراك الذوقی المباشر.

وهكذا سلك حی تلك الحال أو التجربة الروحیة الخاصة التی یعیشها الصوفی ویدرك فی وضوح تمیزها واختلافها عن تجاربه الأخرى. وأداته القلب الذی یمكن أن نسمیه مركز الوعی السامی أو الحاسة الكونیة التی تختلف اختلافاً جوهریاً عن العقل من أیة حاسة من الحواس البدنیة .

فالقلب فی فلسفة التصوف، رغماً عن اتصاله مع القلب الجسمانی المعروف فإنه لا یتكون من لحم ودم، وإنما هو خاص بالعقلیات لقدرته على إدراك كنه الأشیاء، وإذا أضاءت جوانبه أنوار المعرفة والإیمان كان مصدراً للوحی والإلهام


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر