تبلیغات
alarabee - روایتان فی نشوء و تکوّن حیّ بن یقظان
پنجشنبه 6 آبان 1389

روایتان فی نشوء و تکوّن حیّ بن یقظان

   نوشته شده توسط: zohre pourshaban    



حی بن یقظان إنسان تكوّن أو نشأ فی جزیرة من جزائر الهند التی تحت خط الاستواء. فی تكونه ونشوئه روایتان:


الأولى أنه ولد من غیر أب ولا أم. وذلك "أن بطناً من أرض تلك الجزیرة تخمرت فیه طینة على مر السنین حتى امتزج فیها الحار بالبارد والرطب بالیابس امتزاج تكافؤ وتعادل فی القوى. وكانت هذه الطینة المتخمرة كبیرة جداً. وكان بعضها یفضل بعضاً فی اعتدال المزاج والتهیؤ لتكوّن الأمشاج. وكان الوسط منها أعدل ما فیها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان. فتمخضت تلك الطینة وحدث فیها شبه نفاخات الغلیان لشدة لزوجتها، وحدث فی الوسط منها نفاخة صغیرة جداً منقسمة بقسمین بینهما حجاب رقیق ممتلئة بجسم لطیف هوائی فی غایة من الاعتدال اللائق به. فتعلق به عند ذلك الروح الذی هو من أمر الله وتشبث به تشبثاً یعسر انفصاله عنه عند الحسّ وعند العقل، إذ قد تبین أن هذا الروح دائم الفیضان من عند الله عز وجل وأنه بمنزلة نور الشمس الذی هو دائم الفیضان على العالم... فلما تعلق هذا الروح بتلك القرارة خضعت له جمیع القوى وسجدت له بأمر الله فی كمالها. فتكوَّن بإزاء تلك القرارة نفاخة أخرى منقسمة إلى ثلاث قرارات بینها حجب لطیفة ومسالك نافذة وامتلأت بمثل ذلك الهوائی الذی امتلأت منه القرارة الأولى إلا أنه ألطف منه... وتكون بإزاء هذه القرارة من الجهة المقابلة للقرارة الثانیة نفاخة ثالثة مملوءة جسماً هوائیاً إلا أنه أغلظ من الأولین وسكن فی هذه القرارة فریق من تلك القوى الخاضعة وتوكلت بحفظها والقیام علیها فكانت هذه القرارات الأولى والثانیة والثالثة أول ما تخلَّق من تلك الطینة المتخمرة على الترتیب الذی ذكرناه".


یشرح ابن طفیل فی هذا النص نشوء المضغة وتخلُّقها ویستمر فی بیان تكوّن مختلف الأعضاء من قلب ودماغ وكبد متضامناً بعضها مع بعض بحیث یتكفل القلب بالحرارة والدماغ بالحس والكبد بالغذاء. وإنما حصل هذا التضامن بنشوء مسالك وطرق بعضهما أوسع من بعض بحسب ما تدعو إلیه الضرورة فكانت الشرایین والعروق وارتبط بعض الأعضاء ببعض على شكل مراتب من رئیس ومرؤوس.


ولما كمل خلق هذا الكائن على حسب ما وصف الطبیعیون خلقة الجنین فی الرحم وتمّت أعضاؤه وصار فی حد خروج الجنین من البطن بعد أن جللته أغشیة انشقت تلك الأغشیة بشبه المخاض وتصدع باقی الطینة إذ كان لحقه الجفاف. "ثم استغاث ذلك الطفل عند فناء مادة غذائه واشتداد جوعه فلبته ظبیة فقدت طلاها".


نلاحظ فی هذا الوصف كیفیة نشوء الحیاة الإنسانیة على وجه الأرض وهی تعاون ما كانوا یسمونه الأركان الأربعة وهو امتزاج الحار (النار) والبارد (الهواء) والرطب (الماء) والیابس (التراب) فی سبیل اعتدال المزاج والتهیؤ لتكون الأمشاج كما یتصور الأطباء الطبیعیون القدماء، ثم اتصل الروح كشعاع الشمس الفائض بذلك المزاج وتلك الأمشاج. وعند هذا الاتصال والتعلق استجابت جمیع القوى التی سلف ذكرها وخضعت للروح وكأن تلك القوى كانت بمنزلة الملائكة التی سجدت لأبینا آدم.


الروایة الثانیة فی ولادة حی ین یقظان أنه "كان بإزاء تلك الجزیرة جزیرة عظیمة متسعة الأكناف كثیرة الفوائد عامرة بالناس یملكها رجل منهم شدید الأنفة والغیرة. وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر فعضلها ومنعها الأزواج إذ لم یجد لها كفواً. وكان له قریب یسمى یقظان فتزوجها سراً على وجه جائز فی مذهبهم المشهور فی زمنهم، ثم إنها حملت منه ووضعت طفلاً. فلما خافت أن یفتضح أمرها وینكشف سرها وضعته فی تابوت أحكمت زمّه بعد أن أروته من الرضاع وخرجت به فی أول اللیل فی جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر وقلبها یحترق صبابة به وخوفاً علیه ثم إنها ودّعته... ثم قذفت به فی الیم فصادف ذلك جری الماء بقوة المد فاحتملته من لیلته إلى ساحل الجزیرة الأخرى...


فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة مستورة عن الریاح والمطر محجوبة عن الشمس تَزْوَرُّ عنها إذا طلعت وتمیل إذا غربت. ثم أخذ الماء فی النقص والجزر عن التابوت الذی فیه الطفل وبقی التابوت فی ذلك الموضع... فلما اشتد الجوع بذلك الطفل بكى واستغاث وعالج الحركة فوقع صوته فی أذن ظبیة فقدت طلاها... فحنّت الظبیة وحَنَتْ علیه ورئمت به وألقمته حلمتها وأروته لبناً سائغاً ومازالت تتعهده وتربیه وتدفع عنه الأذى".


وإذا اختلفت الروایتان فی نشأة حی فهما تتفقان بعد ذلك فی معنى التربیة وسیرورتها. ذلك أن الظبیة التی تكفّلت به وافقت خصباً ومرعى أثیثاً فكثر لحمها ودرّ لبنها حتى قام بغذاء ذلك الطفل أحسن قیام وكانت معه لا تبعد عنه إلا لضرورة الرعی. وألف الطفل تلك الظبیة التی كان بحیث إذا أبطأت اشتد بكاؤه فطارت إلیه.


ولم یكن بتلك الجزیرة شیء من السباع العادیة فتربى الطفل ونما واغتذى إلى أن تم له حولان وتدرج فی المشی وأثغر فكان یتبع تلك الظبیة وكانت هی ترفق به وتحمله إلى مواضع بها شجر مثمر فكانت تطعمه ما تساقط من ثمراتها الحلوة النضیجة، وما كان منها صلب القشر كسرته له بطواحنها، ومتى عاد إلى اللبن أروته، ومتى ظمئ إلى الماء أرْوَته، ومتى ضحا ظللته، ومتى خصر أدفأته، وإذا جن اللیل صرفته إلى مكانه الأول، وجللته بنفسها وبریش كان هناك مما ملئ به التابوت أولاً. وكانا فی غدوهما ورواحهما قد ألفهما ربرب یسرح ویبیت معهما حیث مبیتهما.


وعلى تلك الحال حكى الطفل نغمة الظبیة بل جاوزها إلى حكایة جمیع ما یسمعه من أصوات الطیر والحیوان ولاسیما أصوات الظباء فی الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع فألفته الوحوش وألفها ولم تنكره ولا أنكرها. ومع ذلك كان یمیل إلى بعض منها دون بعض.


ورأى جمیع الحیوانات كاسیة بالوبر والشعر والریش كما رأى ما لها من العدو والبطش ومالها من القرون والأنیاب والحوافر والمخالب ووجد نفسه عاریاً عدیم السلاح ضعیف العَدْوِ قلیل البطش ففكر فی ذلك وطال همه وهو قد قارب سبعة أعوام فاتخذ من أوراق الشجر العریضة ما یستر به بدنه وعمل من أغصان الشجر عصیّاً له هشّ بها على الوحوش المنازعة له، فعلا بذلك قدره عند نفسه. ثم رأى أن لیدیه فضلاً على أیدیها إذ كان یتصرف بها كما یرید. ولقد صادف فی بعض الأیام نسراً میتاً فقطع جناحیه وذنبه صحاحاً كما هی وسلخ عنه سائر جلده وفصله على قطعتین ربط إحداهما على ظهره والأخرى على سرته وما تحتها وعلق الذنب من خلفه وعلق الجناحین على عضدیه، فأكسبه ذلك ستراً ودفئاً ومهابة فی نفوس الوحوش.


ثم أسنّت الظبیة وضعفت فكان یرتاد بها المراعی الخصبة ویجتنی لها الثمرات الحلوة ویطعمها، حتى أدركها الموت فسكنت حركاتها بالجملة وتعطلت أفعالها فجزع الصبی جزعاً شدیداً وكادت نفسه تفیض أسفاً علیها.


كان ینادیها بالصوت الذی اعتاد أن تجیبه عند سماعه ویصیح بأشد ما یقدر علیه فلا یرى حركة ولا تغییراً فشرع یستطلع سبب ما حصل ویبحث جمیع أعضائها دون أن یرى آفة فیها إلى أن اهتدى إلى عضو فی جانب الصدر ألا وهو القلب فنظر فلم یر فیه آفة ظاهرة ولكنه ألْفى فیه تجویفین أحدهما من الجهة الیمنى مملوء بعلق منعقد والآخر من الجهة الیسرى خال لا شیء فیه، فحدس أن الساكن فی ذلك البیت قد ارتحل قبل انهدامه وتركه وهو بحاله وتحقق أنه أحرى ألا یعود إلیه، وصار الجسد كله عنده خسیساً لا قدر له بالإضافة إلى ذلك الشیء الذی ارتحل عنه. وتشتت فكره فی ذلك كله وعلم أن أمه التی عطفت علیه وأرضعته وتعهدته إنما كان ذلك الشیء المرتحل وأن الجسد بجملته كالآلة وبمنزلة العصی التی اتخذها هو لمآرب شتى. وفی خلال ذلك نتن ذلك الجسد وقامت منه روائح كریهة نفرته عنه. ثم سنح لنظره غرابان یقتتلان حتى صرع أحدهما الآخر میتاً. ثم جعل الحی یبحث فی الأرض حتى حفر حفرة وارى فیها ذلك المیت بالتراب. فحفر هو حفرة وألقى فیها جسد أمه وحثا علیها التراب.


وبقی على ذلك برهة یتصفح أنواع الحیوان والنبات ویطوف بساحل تلك الجزیرة فلم یجد لنفسه شبیهاً ووجد لكل واحد من أشخاص الحیوان والنبات أشباهاً كثیرة. وكان یرى البحر محدقاً بالجزیرة من كل جهة فظن أنه لیس فی الوجود أرض سوى أرض جزیرته تلك، واتفق أن انقدحت نار فی أجمة قصب أجوف على سبیل المحاكّة فهاله منظرها. فوقف یتعجب فیها ملیاً ثم دنا منها ومد یده فلما باشرها أحرقت یده، فاهتدى إلى أن یأخذ منها قبساً لم تستول النار على جمیعه فأخذه بطرفه السلیم وحمله إلى موضعه الذی یأوی إلیه وهو جُحْر استحسنه للسكن قبل ذلك.


ثم مازال یمد تلك النار بالحشیش والحطب ویتعهدها لیلاً ونهارا. وكان یزید أنسه بها لیلاً لأنها كانت تقوم له مقام الشمس فی الضیاء والدفء فعظم بها ولوعه واعتقد أنها أفضل الأشیاء التی لدیه ورآها تتحرك إلى جهة فوق وتطلب العلو. وألقى فیها على سبیل الاختبار شیئاً من أصناف الحیوانات البحریة فسطع قتاره وحرك القتار شهوته إلیه فأكل منه شیئاً استطابه فاعتاد بذلك أكل اللحم وصرّف الحیلة فی صید البر والبحر.


وزادت محبته للنار لما رأى من حسن آثارها وقوة اقتدارها. ثم وقع فی نفسه أن الشیء الذی ارتحل من قلب أمه الظبیة كان من جوهر هذا الموجود أو من شیء یجانسه، وأكد ذلك فی ظنه ما كان یراه من حرارة الحیوان الحی وما كان یجده من شدة الحرارة عند صدره بإزاء الموضع الذی كان قد شق علیه من الظبیة.


ثم دفعته الرغبة إلى البحث عن سائر أعضاء الحیوان وترتیبها وأوضاعها وكمیاتها وكیفیة ارتباط بعضها ببعض وكیف تستمر لها الحیاة من تلك الحرارة التی فی القلب فتتبّع ذلك كله بتشریح الحیوانات الأحیاء والأموات. ولم یزل ینعم النظر فیها ویجیل الفكرة حتى بلغ فی ذلك كله كبار الطبیعیین. فتبین له أن كل شخص من أشخاص الحیوان وإن كان كثیراً بأعضائه وتفنن حواسه وحركاته فإنه واحد بذلك الروح الذی مبدؤه من قرار واحد وانقسامه فی سائر الأعضاء منبعث منه، وأن جمیع الأعضاء خادمة له أو مؤدیة عنه. وهو یصرفها كأنها آلات أنحاءً من التصریف بحسب ما تصلح له كل آلة وبحسب الغایات التی تلتمس بذلك التصریف. فإذا عمل بآلة العین كان فعله إبصاراً، وإذا عمل بآلة الأذن كان فعله سمعاً، وإذا عمل بآلة الأنف كان فعله شماً، وإذا عمل بآلة اللسان كان فعله ذوقاً، وإذا علم بالجلد واللحم كان فعله لمساً، وإذا عمل بالعضد كان فعله حركة، وإذا عمل بالكبد كان فعله غذاءً واغتذاءً. ولا یتم لشیء من هذه فعل إلا بما یصل إلیها من ذلك الروح على الطرق التی تسمى عصباً، وتستمد الأعصاب الروح من بطون الدماغ، والدماغ یستمد الروح من القلب. فإن خرج الروح بجملته عن الجسد أو فنی أو تحلل بوجه من الوجوه تعطل الجسد كله وصار إلى حالة الموت. وقد انتهى حی إلى هذا الحد من النظر على رأس أحد وعشرین عاماً من منشئه.


وفی خلال هذه المدة تفنن فی وجوه حیله واكتسى بجلود الحیوانات التی كان یشرحها واحتذى بها واتخذ الخیوط من الأشعار ولحاء القصب والخبازى والقنب وكل نبات ذی خیط.


وكان بتلك الجزیرة خیل بریة وحمر وحشیة فاتخذ منها ما یصلح له وراضها حتى كمل بها غرضه.


ثم بعد ذلك أخذ فی مأخذ آخر من النظر فتصفح جمیع الأجسام من الحیوان والنبات والمعادن وأصناف الحجارة والتراب والماء والبخار والثلج والبرد والدخان واللهیب والجمر فرأى لها أوصافاً كثیرة وأفعالاً مختلفة وأنعم النظر فی ذلك فكشف خصائصها وتعرف طبائعها فرأى حقیقة وجود كل منها مركبة من الجسمیة ومن شیء آخر زائد على الجسمیة إما واحد وإما أكثر من واحد. فلاحت له صور الأجسام على اختلافها وهو أول ما لاح له من العالم الروحانی إذ هی صور لا تدرك بالحس وإنما تدرك بضرب ما من النظر العقلی ولاح له أن الروح الحیوانی الذی مسكنه القلب لابد له من معنى زائد على جسمیته یصلح به لأن یعمل تلك الأعمال الغریبة من ضروب الإحساسات وفنون الإدراكات وأصناف الحركات. وذلك المعنى هو صورته وفصله الذی یفصله عن سائر الأجسام ویمیزه منها وهو الذی یعبّر عنه بالنفس الحیوانیة.


ومثلها النفس النباتیة التی هی صورة النبات وفصله المائز له. وكذلك للجمادات شیء یخصها وهو صورتها وفصلها. ویعبّر عنه بالطبیعة.


وهكذا تجاوز جسمیة الأجسام إلى صورها وخصائصها التی ینفصل بعضها بها عن بعض. فتأمل بالتفصیل تلك الخصائص والصور التی تمیز أنواع الحیوان والنبات والجماد.


وبالتدرج انتهى إلى أبسط ما قدر علیه من قلة التركیب وهو الأرض والماء والنار والهواء، ثم إلى الصورة التی تلبس المادة وإلى المادة أو الهیولى العاریة عن الصورة جملة. ولما انتهى نظره إلى هذا الحد وأشرف على تخوم العالم العقلی حن إلى ما ألفه من عالم الحس فتأمل صور الأركان الأربعة من أرض وماء ونار وهواء. فالماء مثلاً إذا أفرط علیه التسخین استعد للحركة إلى فوق وصلح لها فذلك الاستعداد هو صورته. وعلى العموم صلوح الجسم لبعض الحركات دون بعض هو استعداده وصورته. ولاح له مثل ذلك فی جمیع الصور فتبین له أن الأفعال الصادرة عنها لیست فی الحقیقة لها وإنما هی لفاعل یفعل بها الأفعال المنسوبة إلیها.


فلما لاح له من أمر هذا الفاعل ما لاح على الإجمال دون تفصیل حدث له شوق حثیث إلى معرفته على التفصیل. فتصفح جمیع الأجسام فلم یر منها شیئاً بریئاً عن الحدوث والافتقار إلى الفاعل المختار. فأطرحها كلها وانتقلت فكرته إلى الأجسام السماویة. وكان ذلك على رأس ثمانیة وعشرین عاماً من عمره.


فعلم أن السماء وما فیها من كواكب أجسام لأنها ممتدة فی الأقطار الثلاثة: الطول والعرض والعمق، وأنها جمیعاً متناهیة. ورأى أن الفلك بجملته وما یحتوی علیه كشیء واحد متصل بعضه ببعض وأن جمیع الأجسام كالأرض والماء والهواء والنبات والحیوان وما شاكلها هی كلها فی ضمنه وأنه كله أشبه شیء بشخص من أشخاص الحیوان. وما فیه من الكواكب المنیرة هی بمنزلة حواس الحیوان، وما فیه من ضروب الأفلاك المتصل بعضها ببعض هی بمنزلة أعضاء الحیوان، وما فی داخله من عالم الكون والفساد هو بمنزلة ما فی جوف الحیوان من أصناف الفضول والرطوبات.


فلما تبین له أنه كله كشخص واحد فی الحقیقة قائم محتاج إلى فاعل مختار تفكر فی العالم بجملته هل هو شیء حدث بعد أن لم یكن وخرج إلى الوجود بعد العدم؟ أو هو أمر كان موجوداً فیما سلف ولم یسبقه العدم بوجه من الوجوه. فتشكك فی ذلك، وانتهى بعد التشكك فی قدم العالم أو حدوثه إلى أنه لابد على كلا الوجهین من وجود فاعل غیر جسم و لا متصل بجسم ولا منفصل عنه ولا داخل فیه ولا خارج عنه، إذ الاتصال والانفصال والدخول والخروج هی كلها من صفات الأجسام وهو منزه عنها. وإذن فالعالم كله بما فیه من السماوات والأرض والكواكب وما بینها وما فوقها فعله وخلقه، وهو متأخر عنه بالذات وإن كان غیر متأخر بالزمان فی وجه من الوجهین اللذین سلف ذكرهما. وعندئذ تصفح الموجودات مرة جدیدة تصفحاً على طریق الاعتبار فی قدرة فاعلها والتعجب من غریب صنعته ولطیف حكمته ودقیق علمه. وتبین له فی أقل الأشیاء الموجودة فضلاً عن أكثرها من آثار الحكمة وبدائع الصنعة ما قضى منه كل العجب، وتحقق عنده أن ذلك لا یصدر إلا عن فاعل مختار فی غایة الكمال وفوق الكمال. وكل شیء له حسن أو بهاء أو كمال أو قوة أو فضیلة من الفضائل هو من فیض ذلك الفاعل ومن جوده ومن فضله. وانتهت به المعرفة إلى هذا الحد على رأس خمسة وثلاثین عاماً من منشئه، وقد رسخ فی قلبه من أمر هذا الفاعل ما شغله عن الفكرة فی كل شیء إلا فیه. وذهل عما كان فیه من تصفح الموجودات والبحث عنها حتى صار بحیث لا یقع بصره على شیء إلا ویرى فیه أثر الصنعة فینتقل بفكره على الفور إلى الصانع حتى اشتد شوقه إلیه وانزعج قلبه بالكلیة عن العالم الأدنى المحسوس وتعلق بالعالم الأرفع المعقول.


فلما حصل له هذا العلم بهذا الموجود الرفیع الثابت الوجود أراد أن یعلم بأی شیء حصل له هذا العلم وبأی قوة أدرك ذلك الوجود، فتصفح حواسه كلها وهی السمع والبصر والشم والذوق واللمس فرأى أن الحواس لا تدرك إلا جسماً أو ماهو فی جسم. وقد تبین أن هذا الموجود الواجب الوجود بریء من صفات الأجسام من جمیع الجهات ولا تعلق له بوجه من الوجوه بالأجسام، كما تبین أنه أدركه بذاته، وأن ذاته التی أدركه بها أمر غیر جسمانی ولا یجوز علیها شیء من صفات الأجسام، وأن كل ما یدركه من ظاهر ذاته من الجسیمات فإنها لیست حقیقة ذاته. وإنما حقیقة ذاته ذلك الشیء الذی أدرك به الموجود المطلق الواجب الوجود. فلما علم أن ذاته الحقیقیة لیست هذه المتجسمة التی یدركها بحواسه ویحیط بها جلده هان عنده بالجملة جسمه وجعل یتفكر فی ذاته الحقیقیة الشریفة التی أدرك بها ذلك الموجود الشریف الواجب الوجود. ورأى أن الذات التی أدرك بها ذلك الموجود الشریف الواجب الوجود لا یمكن تصور فسادها وأنها إذا أدركته وتعرّفته تعلقت به وحنت إلیه. وتبین له أن كمال ذاته ولذتها إنما هو بمشاهدة ذلك الموجود الواجب الوجود على الدوام مشاهدة بالفعل أبداً حتى لا یعرض عنه طرفة عین لكی توافیه المنیة وهو فی حال المشاهدة بالفعل فتتصل لذته دون أن یخللها ألم. ثم جعل یتفكر كیف یتأتى له دوام هذه المشاهدة بالفعل حتى لا یقع منه إعراض. فغدا معرضاً عن جمیع المحسوسات والقوى الجسمانیة، مجتمع الهمِّ –والفكرة فی الموجود الواجب الوجود وحده دون شركه. فمتى سنح لخیاله سانح سواه طرده عن خیاله جهده وراض نفسه على ذلك ودأب علیه. وفی شدة مجاهدته هذه ربما كانت تغیب عن ذكره وفكره جمیع الذوات إلا ذاته. فإنها كانت لا تغیب عنه فی وقت استغراقه بمشاهدة الموجود الحق الواجب الوجود. ولكنه ما زال یطلب الفناء عن نفسه والإخلاص فی مشاهدة الحق حتى تأتى له ذلك ولم یبق إلا الواحد الحق. واستغرق فی حالته هذه وشاهد مالا عین رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم لما أفاق من حالته تلك التی هی شبیهة بالسكر عاد إلى ملاحظة الأغیار وخطر بباله أنه لا ذات له یغایر بها ذات الحق تعالى، وأن حقیقة ذاته هی ذات الحق، وأن الشیء الذی كان یظن أولاً أنه ذاته المغایرة لذات الحق لیس شیئاً فی الحقیقة، بل لیس ثَمَّ شیء إلا ذات الحق، وأن ذلك بمنزلة نور الشمس الذی یقع على الأجسام الكثیفة فتراه یظهر فیها. فإنه وإن نسب إلى الجسم الذی ظهر فیه فلیس هو فی الحقیقة شیئاً سوى الشمس. وإن زال ذلك الجسم زال نوره وبقی نور الشمس بحاله لم ینقص عند حضور ذلك الجسم ولم یزد عند مغیبه. ومتى حدث جسم یصلح لقبول ذلك النور قبله، فإذا عدم الجسم ذلك القبول لم یكن له معنى. وتَقوَّى عنده هذا الظن بما قد كان بان له من أن ذات الحق عز وجل لا تتكثر بوجه من الوجوه، وأن علمه بذاته هو ذاته بعینها. فلزم من هذا أن من حصل عنده العلم بذاته فقد حصلت عنده ذاته. وقد كان حصل عنده العلم فحصلت عنده الذات. وهذه الذات لا تحصل إلا عند ذاتها ونفس حصولها هو الذات. فإذن هو الذات بعینها.


پنجشنبه 6 آبان 1389 09:45 ق.ظ
قد ألح المؤلف على كیفیة تعرف حی بن یقظان لذاته الإنسانیة الحقیقیة الشریفة وأن من حصّل العلم بذاته فقد حصلت عنده ذاته، ونفس حصولها هو الذات. ویظهر من ذلك أن الذات هی التی أشار إلیها التنزیل الكریم: "قل الروح من أمر ربی" وإنها خالدة، وأن حدیث المؤلف عنها یصلح أن یكون مقدمة واضحة أو موحیة لكوجیتو الفیلسوف الفرنسی دیكارت الذی أطلقها بعد نحو خمسة قرون: "أنا أفكر إذن أنا موجود" وأن مثل هذا الحدیث هو الذی جعل دیكارت أیضاً یمنع أن یكون للحیوان روح أو نفس –هذا مع جواز أن یكون فی الفلسفة الإسلامیة أیضاً مواضع أوحت بذلك الكوجیتو أو یسّرت له كما أشار إلى ذلك المفكر الإیطالی فُرانی G.Furlani فی مقال نشره عام 1927 فی مجلة Islamica بعنوان "ابن سینا ومقولة دیكارت" معتمداً على نص للشیخ الرئیس باسم "الرجل الطائر" ورد فی كتابه "الشفاء".
پنجشنبه 6 آبان 1389 09:45 ق.ظ
لقد كتب ابن طفیل هنا صفحات ممتعة محاولاً ما استطاع التدرج العلویّ بحیّ والتحلیق معتمداً على تشبهات ثلاثة:


1-تشبهٌ بالحیوان غیر الناطق. جعله هذا التشبه یعیش فی الاغتذاء عیشة اعتدال دون أضرار ولا استئصال وبحسب ما یسد عنده خلة الجوع وفی الحین بعد الحین دفعاً للضعف وإمساكاً للرمق.


2-تشبه بالأجرام السماویة. وكانوا یظنون تبعاً لفلسفة أرسطو أن لها طبیعة خامسة مطهرة غیر مادیة. ولما رآها تجری فی نظام دقیق یتعهد الحیاة على وجه الأرض ألزم نفسه اتّباع ذلك النظام وأن یتعهد متطلبات الحیاة عامة. فجعل یبذل وسعه فی عون الحیوان والنبات وفی اتساق القوى الطبیعیة على الأرض وهو ما نستطیع قوله فی التعابیر الحدیثة الیوم من دفع التلوث والفساد فی جزیرته. وكذلك العنایة بنفسه نظافة وطهارة ثم ملازمة الفكرة فی ذلك الموجود الواجب الوجود وفی حكمته وسننه التی تجری بمقتضاها تلك الأفلاك.


3-تشبه بالموجود الواجب الوجود وصفاته. وقد تبین له أن تلك الصفات على ضربین: إما صفات ثبوت كالعلم والقدرة والحكمة وإما صفات سلب ترجع كلها إلى التنزه عن الجسمیة. فأخذ یطرح عن ذاته أوصاف الجسمیة ما عدا ما لابد منه من الحركة والاعتناء بأمر الحیوان والنبات والرحمة لها وإزالة عوائقها وأعرض عن جمیع المحسوسات والقوى الجسمانیة وغدا مجتمع الهم والفكرة فی الموجود الواجب الوجود وحده دون شركة واستغرق فی مجاهدته كما شرحنا ذلك آنفاً حتى غاب عن نفسه فی مشاهدة الحق.


یتلامح من وراء هذا الترتیب ودرجات التشبه روح النهج الإسلامی الشرعی ثم الاتجاه الصوفی الحقیقی الرفیع. وهكذا یصل ابن طفیل بحیّ إلى ذروة الحكمة المشرقیة والتصوف فی الفلسفة الإسلامیة.
 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر