تبلیغات
alarabee - تأثیر المقامة فی الفن السردی الأوروبی
پنجشنبه 6 آبان 1389

تأثیر المقامة فی الفن السردی الأوروبی

   نوشته شده توسط: zohre pourshaban    

تأثیر المقامة

فی الفن السردی الأوروبی

د. عیسى الدودی - المغرب -

اعترف كثیر من المهتمین بالأدب الأندلسی بكون المقامة كانت جسرا لمرور القصة إلى إسبانیا وعموم أوروبا، وذلك استنادا إلى المقارنات التی عقدوها بین المقامة والأدب السردی فی أوروبا، وانتهوا إلى هذه القناعة بعد أن توصلوا إلى كثیر من أوجه التشابه بین الفنین.

بدأ فن المقامة فی الانتشار فی أواخر القرن الرابع الهجری، وأبرز أعلام هذا الفن فی المشرق الحریری والهمذانی، ثم إنه: «قدر لهذا اللون من الأدب الانتشار الواسع فی مشرق العالم الإسلامی ومغربه، وكثر المقلدون لهذا اللون من الأدب»(1)، وقد عرف الأندلسیون المقامة عن طریق من رحل إلیهم من المشرق، كما: «قدر للأندلسیین الوافدین إلى المشرق الاطلاع على هذا الفن الأدبی، وخاصة من أسعدهم الحظ وأقاموا فی بغداد، وبعد أن أتموا دراستهم عادوا إلى بلدهم ونشروا هذه المقامات»(2)، فلقیت قبولا من طرف الأندلسیین، ونالت حظها من المعارضة والشرح والنقد والتعلیق، ونسجت على منوالها مقامات مشهورة كمقامة أبی حفص عمر الشهید، ومقامة أبی محمد بن مالك القرطبی، ومقامة عبد الرحمن بن فتوح، ومقامة ابن المعلم.. ثم إن هناك من توجه لشرحها كمحمد بن سلیمان المالقی، وعبد الله بن میمون العبدری الغرناطی، وأبی العباس الشریشی، وعقیل بن عطیة. ویبقى أن أبرز من تأثر بهذه المقامات السرقسطی وتسمى مقاماته بالمقامات السرقسطیة وهی المعروفة باللزومیة وهی خمسون مقامة عارض بها مقامات الحریری، ومقامات البطلیوسی، وابن المرابع الأزدی صاحب مقامة العید، وابن القصیر الفقیه، ولسان الدین بن الخطیب، بالإضافة إلى مقامتین لمحارب بن محمد الواد آشی، والمقامة الدوحیة أو العیاضیة، ومقامة ابن غالب الرصافی، وغیرها كثیر.

والمقامة هی حكایة عن حیلة تافهة بطلها متشرد ظریف یتقمص فی كل مرة شخصیة معینة، فهو: «مرة قرَّاد یسیر بقرده لیجمع الناس فی حلقات فیضحكهم ویأخذ من أكیاسهم، وهو مرة واعظ محترف یلج المساجد لتدمع عینه ویرتل آیات الذكر ورقائق الوعظ وسیر الصحابة.. وهو مرة ثالثة ینحط إلى دركات وبیئة فیسرق أكفان الموتى، ویجَمِّل خادمه لیوقع فی حبه المتهورین»(3). ویتوخى صاحب المقامة من ذلك الوصول إلى قلوب الناس وكسب مودتهم بمقدرته اللغویة وألاعیبه اللفظیة وذلك بالإغراق فی السجع والصنعة البدیعیة، حتى أن الدكتور عبد الله بن علی بن ثقفان سمى المقامة بالقصة اللغویة(4)، وهذا ما جعل الأندلسیین: «یطلقون اسم المقامة على كل قطعة من النثر المنمق المرصع بالأشعار النفیسة»(5).

وإذا انتقلنا إلى الحدیث عن تأثیرها فی الأدب الأوروبی، خاصة السردی منه، فإن كثیرا من الباحثین تحدثوا عن: «تأثیر فن المقامات فی الأدب الأوروبی تأثیرا واسعا متنوع الدلالة، فقد غذت هذه المقامات قصص الشطار الإسبانیة بنواحیها الفنیة وعناصرها ذات الطابع الواقعی»(6). وتعلق حبیبة البورقادیة عن هذا اللقاء الأدبی بقولها: «وهذا اللقاء التاریخی هو الذی یشرح وجوه الشبه الكبیرة بین المقامات وقصص الشطار فی الأدب الإسبانی، وقد فضل الكتاب الإسبان أن ینسجوا على منوال قصص المقامات الواقعیة عوض أن ینسجوا على منوال قصص الرعاة، واستطاعوا بعد جهد جهید أن یقربوا بین قصصهم وواقع الحیاة، وأثروا بذلك تأثیرا كبیرا فی الآداب الأوروبیة»(7). ثم إن المقامة حولت أنظار الأدباء من الجری وراء الخیال - وذلك بنسج قصص الحب والفروسیة والرعاة - إلى الواقعیة، وتقریب الفرد من المجتمع، ودعته لیفتح عینیه على واقعه، لذلك: «اتجه الكتاب الروائیون بإیحائها إلى التحدث عن أحوال المجتمع وظروف الأغمار من الناس.. ثم أبدعوا روائعهم فی هذا الاتجاه الواقعی متناسین هذه الأحلام الهادئة التی كانوا یملأون بها قصصهم الخیالیة»(8).

وأول قصة من هذا النوع فی الأدب الإسبانی: «كان عنوانها حیاة لاسوریو ومحنته، وقد نشرت أول مرة سنة 1555م وفیها وصف لطفل بائس كان ابنا لطحان فقیر سجن والده لجریمة صغیرة كانت منه، ومات فی السجن دون عائل یرعاه، فبدأ حیاته شحاذا یتسول، وقد اهتدى فی حرفته الحقیرة بأعمى متمرس كان سیبین له طریق الشحاذة ثم یختلفان بعد حین لشراهة الأعمى وطمعه فی ابتزاز صاحبه، فتركه لیعمل خادما لدى قسٍّ محترف یعیش على أموال الصدقات، ویشاهد غرائب عجیبة من بخله وجشعه وأثرته»(9).

وممن تأثر كذلك بالأدباء الإسبان فی هذا المجال: «شارل سوریل Chales sorel» فی قصته «تاریخ فرانسیون الحقیقی الهازل Vrai histoire comique de francoin»، وقد نشرت بباریس سنة 1922م وهی أول قصة من قصص الشطار فی فرنسا على لسان فرانسیون یهجو فیها العادات والتقالید بواسطة أشخاص من المتسولین ومن یعد فی زمرتهم فی نظر المؤلف، كما یهاجم مختلف الطبقات فی عهده من خلال أولئك الأشخاص»(10). وقد سار على نهجه «لوساج Le Sage» فی: «قصته التی یهجو فیها العادات والتقالید على لسان البطل الذی سُمِّیت القصة باسمه «فیل بلا»(11)، وانتفع بهذا الاتجاه «كویتی Gauthier» فی قصته «موت الحب Mort damour». وهذه المقارنات زكت الاعتقاد: «أن قصص الشطار قد حوت نقدا مریرا للأنظمة الإقطاعیة التی كانت سائدة فی القرون الوسطى یشبه ذلك النقد المریر الذی قدمه بدیع الزمان للواقع الإقطاعی فی العصر العباسی من خلال مقاماته»(12).

كما أن هناك من الباحثین من یثیر تأثیر المقامة فی الكومیدیا الإلهیة لدانتی، إذ لیس من المعقول أن یكون هذا الكتاب بمعزل عن الثقافة العربیة الإسلامیة وهو الملم بجمیع نواحی الثقافة والمعرفة آنذاك: «وقد درس الموضوع بمزید من الجدیة والعمق المستشرق الإسبانی بلاثیوس فی كتابه المعتقدات الإسلامیة حول العالم الآخر فی الكومیدیا الإلهیة، وهو خلاصة دراسة استغرقت عشرین عاما وازن فیها المؤلف بین قصیدة دانتی من جهة وبین الكتب الدینیة الإسلامیة وبعض الكتب الدینیة العربیة، كالقرآن الكریم وكتب الحدیث والتفسیر والسیرة ومؤلفات المتصوفین، ولا سیما كتاب الفتوحات المكیة لابن عربی،ورسالة الغفران للمعری، وقصص الإسراء والمعراج، وانتهى المؤلف فی دراسة كل هذا إلى القول بأن دانتی كان متطلعا على أكثر نواحی الثقافة الإسلامیة، وأنه استقى من هذا المنبع بعض الصور والمعلومات التی وردت فی الكومیدیا الإلهیة مما یتعلق بالبعث والحشر وخلود النفس ومشاهد الجنة والنار»(13). ونشیرإلى أنه وظف هذه المعانی الدینیة وفق تصوره، إذ یقول الدكتور نذیر طعمة: «لقد تأثر دانتی بمعماریة المعراج فأفرغها من مضامینها الإسلامیة وملأها بمضامین ومواقف تنسجم مع ثقافته ومعتقده»(14).

وهذا یقودنا إلى الربط بین المقامة والفن الروائی، فقد ذكر بییر كاكیا أن: «الفن الروائی لم یجد متنفسا له سوى فی المقامة، وهی كلمة ترجمت إلى الإنجلیزیة بلفظة assembly وإلى الفرنسیة بلفظة seance بما یفید أنه یمكن قراءتها فی جلسة واحدة»(15). وینقل بهذا الصدد محمد رجب البیومی عن الفیلسوف الفرنسی «أرنست رینان» هذا الإعجاب بالمقامة التی آثرها على مجموعة بلزاك الأدبیة، بحیث أن الحریری قاد شحاذه فی خمسین موقفا مختلفا بقوة اختراع عجیبة ودقة وتأمل فی الأخلاق والعادات لتعلم المهارة والغرابة التی تنطوی علیها فكرة المقامات. أرادوا أن یضعوا للقرن التاسع عشر مهزلة بشریة یشیر رینان إلى مجموعة بلزاك المسماة بهذا الاسم فلم یعرفوا كیف یجلونها فی قالب مقبول، فی حین حقق الحریری هذه الفكرة للمجتمع الإسلامی فی القرن الثانی عشر، أما بلزاك فقد نقصته شخصیة أبی زید التی تكاد تلمسها حتى تفلت(16).

وننهی حدیثنا عن المقامة بالإشارة إلى أن التراث العربی الإسلامی لیس هو الوحید الذی أثر فی الفن السردی بإسبانیا، بل هناك تأثیرات مسیحیة لا یمكن القفز عنها وتجاهلها، ویؤكد هذه الحقیقة عبد العزیز الأهوانی بقوله: «وحین نتجاوز الألفاظ إلى الأخبار والقصص سنجد فی كتب التاریخ الأندلسی أمثال قصة البیت المقفل فی طلیطلة وكیف أمر لندیق آخر ملوك القوط على فتحه، فكان نذیرا بدخول العرب إلى إسبانیا، وقصة بنت یولیان صاحب سبتة مع ذلك الملك وكیف غیرت التاریخ، وكلها قصص أخذت بغیر شك من التراث الشعبی المسیحی»(17).

الهوامش

1- التأثیرات العراقیة فی الأندلس وأوروبا - عبد الجلیل الراشد - وزارة الثقافة دار الشؤون الثقافیة العامة/ بغداد - الطبعة الأولى 2001م - ص55.

2- نفسه - ص: 55.

3- الأدب الأندلسی بین التأثر والتأثیر - محمد رجب البیومی - أشرفت على طباعته ونشره: إدارة الثقافة والنشر بالجامعة 1400هـ/ 1980م - ص: 198.

4- القصة الأندلسیة: نماذج مع دراستها دراسة تطبیقیة - د. عبد الله بن علی بن ثقفان - دراسات أندلسیة، العدد 22، ربیع الأول 1420هـ/ جوان 1999م - ص: 42.

5- الأدب الأندلسی – بییر كاكیا – الجزء الأول، ص: 466.

6- الأدب الأندلسی وأثره فی الآداب الأوروبیة خلال القرون الوسطى – حبیبة البورقادیة – ص: 190.

7- نفسه – ص: 191.

8- الأدب الأندلسی بین التأثر والتأثیر – محمد رجب البیومی – ص: 130.

9- نفسه – ص: 131.

10- الأدب الأندلسی وأثره فی الآداب الأوروبیة خلال القرون الوسطى – حبیبة البورقادیة – ص: 191.

11- نفسه – ص: 191.

12- فن المقامات بین المشرق والمغرب – للدكتور یوسف نور عوض – مكتبة الطالب الجامعی، مكة المكرمة، العزیزیة – الطبعة الثانیة 1406هـ/1986م- ص: 346.

13- فن المقامات بین المشرق والمغرب – الدكتور یوسف نور عوض – ص: 192.

14- فضاءات الأدب المقارن: دراسة فی تبادل الثیمات والرموز والأساطیر بین الآداب العربیة والأجنبیة ـ د. نذیر طعمة ـ منشورات وزارة الثقافة فی الجمهوریة العربیة السوریة، دمشق 2004 ـ ص: 63.

15- الأدب الأندلسی ـ بییر كاكیا ـ الجزء الأول، ص: 462.

16- الأدب الأندلسی بین التأثر والتأثیر ـ محمد رجب البیومی ـ ص: 129، 130.

17- اللقاء الحضاری فی الأندلس ـ عبد العزیز الأهوانی ـ ص: 128.


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر