تبلیغات
alarabee - نظریة علـم اللغة التقابلی فـی الـتراث العـربی
دوشنبه 17 آبان 1389

نظریة علـم اللغة التقابلی فـی الـتراث العـربی

   نوشته شده توسط: zohre pourshaban    

نظریة علـم اللغة التقابلی فـی الـتراث العـربی ـــ د. جاسم علی جاسم(([1] 

- د. زیدان علی جاسم(([2]

تمهید

یهدف هذا البحث إلى بیان نظریة علم اللغة التقابلی (التحلیل التقابلی) فی دراسات العرب القدامى وبیان أسبقیتهم التاریخیة فی هذا المجال قبل علماء اللغة فی أمریكا وأوربا. ولهذا سوف نقوم بالإجابة عن الأسئلة التالیة:

- هل علم اللغة التقابلی هو نتاج القرن العشرین من لغویی أمریكا وأوربا؟ وإذا كان الجواب سلباً

- هل كان تعلم ودراسة اللغات معروفاً فی القدیم عند العرب أم لا؟

- هل وجدت دراسات عربیة قدیمة أسهمت فی میدان تعلیم الأصوات وتعلمها أم لا؟

- هل وجدت دراسات عربیة تقابلیة قدیمة بین العربیة وغیرها من اللغات أم لا؟

وسنبدأ الحدیث عن علم اللغة التقابلی فی القرن العشرین عند علماء أمریكا وأوربا، ثم نتطرق إلى الحدیث عن فرضیة تعلّم اللغات سابقاً ودراستها. وبعد ذلك نعالج الدراسات العربیة القدیمة، التی تناولت مشكلة تعلیم الأجانب للأصوات العربیة وتعلمها ثالثاً. ثم نحاول الإجابة عن السؤال الرابع والأخیر ألا وهو الدراسات العربیة التقابلیة عند علماء العرب القدامى فی علم اللغة التقابلی.

- علم اللغة التقابلی فی القرن العشرین عند علماء اللغة الأمریكیین والأوربیین:

یزعم علماء اللغة الغربیون (Fries, 1945; Lado, 1957) أن التحلیل التقابلی طوّر ومُورِس فی الخمسینیَّات والستّینیَّات من القرن العشرین كتطبیق لعلم اللغة البنیوی فی تعلیم اللغة. وظهر نتیجة لتطبیق علم النفس السلوكی (Skinner, 1957) وعلم اللغة البنیوی (Bloomfield, 1933) فی تعلیم اللغة. ویقصد بعلم اللغة التقابلی أو التحلیل التقابلی: هو مقارنة النظام اللغوی بین لغتین مختلفتین، مثلاً النظام الصوتی أو النظام النحوی فی اللغة العربیة واللغة المالیزیة. ویهتم التحلیل التقابلی ببیان أوجه التشابه والاختلاف بین اللغة الأولى واللغة الثانیة. وإن أكثر الأخطاء تأتی بسبب التدخل من اللغة الأم. ولهذا یدعی بأن الأخطاء ضارة ویجب أن تزال. ولقد كان أكثر نجاحاً فی علم الأصوات من المجالات الأخرى من اللغة. ویستند التحلیل التقابلی على الفرضیات التالیة:

1- إنّ الصعوبات الرئیسة فی تعلّم لغة جدیدة سببها التدخل أو النقل من اللغة الأولى. والنقل نوعان: إیجابی وسلبی. النقل الإیجابی: یجعل التعلم أسهل، وهو نقل قاعدة لغویة من اللغة الأم إلى اللغة الهدف، ویمكن أن تكون اللغة الأم واللغة الهدف تشتركان فی القاعدة نفسها. والنقل السلبی: یُعْرَف عادة بالتدخل. وهو استخدام قاعدة فی اللغة الأم تؤدی إلى خطأ أو شكل غیر ملائم فی اللغة الهدف.

2- هذه الصعوبات یمكن أن یتنبأ بها التحلیل التقابلی.

3- یمكن استعمال المواد التعلیمیة فی التحلیل التقابلی لتقلیل آثار التدخل.

أما آراء العلماء فی تعلیم اللغة من خلال التحلیل التقابلی فتنقسم إلى ثلاثة اتجاهات وهی:

أولاً   : المؤیدون. یرون أن التحلیل التقابلی یمكن أن یتنبأ الأخطاء. ولقد صرّح
(
Fisiak, 1981) "بأنّ التحلیل التقابلی ضروری للمعلمین، ومصمّمی المناهج الدراسیة ومُعدِّی المواد التعلیمیة...". و(Nyamasyo, 1994) استنتج من دراسته على الطلاب الكینیین بأنّ "طریقة التحلیل التقابلی ستكون مفیدة فی إبراز المشكلات الصعبة التی تواجه الطلاب".

ثانیاً   : المعارضون. یدّعون بأنه لا یستطیع توقّع أو التنبؤ بالأخطاء، وخاصة فی النحو. ولكنه یمكن أن یوضّح الأخطاء فقط. ویضع (Van Buren, 1974) "التسویغ للتحلیل التقابلی بأنه یوجد فی قوّته التوضیحیة" بدلاً من قابلیته لتوقّع أو تنبؤ الأخطاء أو الصعوبات فی اللغة الثانیة. أما (Whitman & Jackson, 1972) فقد أجریا اختبارین فی النحو الانجلیزی لِـ: 2500 طالب یابانی لیختبرا "نظریة التحلیل التقابلی فی النحو الانجلیزی وإمكانیته فی التنبؤ أو توقّع المشكلات التی تواجه الناطقین غیر الأصلیین فی اللغة الانجلیزیة" فأظهرت نتیجة الاختبار بأن التدخل أو النقل لعب دوراً ضئیلاً فی تعلّم اللغة".

ثالثاً   : المعتدلون. یرون أن التحلیل التقابلی مفید. لذا لا بد من دمج التحلیل التقابلی وتحلیل الأخطاء (Jassem, 2000) مع بعضهما بعضاً باعتبارهما أسالیب یمكن أن تزود المعلم بالنظر فی عملیة التعلم. ولقد لخص (James, 1980) هذا بقوله:

    "... كلّ طریقة (التحلیل وتحلیل الأخطاء) لها دورها الحیوی فی تفسیر مشكلات التعلم. ویجب على كل منها أن تتمّم الأخرى بدلاً من كونها منافساً لها".

وبعد هذه المقدمة الوجیزة عن علم اللغة التقابلی فی الغرب نعود إلى دراسة جذور وأسس هذا العلم عند العرب القدامى لهذا العلم الأصیل. وسنمهد لهذا العلم بمقدمة ذات صلة بالموضوع عن تعلم ودراسة اللغات قدیماً عند العرب.

-تعلم ودراسة اللغات عند العرب فی القدیم

ذكر خرما والحجاج، 1988: (... أن طرائق التدریس أخذت بالتعدد والتنوع منذ بدایة القرن الحالی نتیجة أسباب كثیرة، منها الحاجة لتعلم اللغات المختلفة ودراستها التی لم تكن معروفة سابقاً، والتی قدمتها لنا الدراسات الأنثروبولوجیة، وخصوصاً فی بدایة القرن الحالی والعقود التی تلته).

فهما یؤكدان أن تعلم ودراسة اللغات لم تكن معروفة فی السابق، وترانا لا نرى رأیهما، ونؤكد بأن تعلم اللغات ودراستها كان معروفاً منذ العصر الجاهلی، فنجد فی شعر امرئ القیس بعض الألفاظ الرومیة مثل السجنجل وغیرها... وكذلك نجد فی شعر الأعشى بعض الألفاظ الفارسیة مثل العظلم والأرندج، حیث یقول:

عیله دیابوذ تشربل تحته

 

أرندج إسكاف یخالط عظلما

الدیابوذ: ثوب ینسج على نیرین. أرندج: جلد أسود. عظلم: نوع من الشجر یخضب به.

ویذكر أبو الفرج الأصبهانی صاحب الأغانی خبراً (ج2، ص 101)، إن عدی بن زید العبادی وهو شاعر جاهلی معروف، قد تعلم الكتابة والكلام بالفارسیة، ویقول: (فلما تحرك عدی بن زید، وأیفع طرحه أبوه فی الكُتاب، حتى إذا حذَقَ أرسله المَرْزُبان مع ابنه (شاهان مَرْدْ) إلى كُتاب الفارسیة، فكان یختلف مع ابنه، ویتعلم الكتابة والكلام بالفارسیة، حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربیة وقال الشعر...).

وفی العصر الإسلامی نجد أن الرسول العربی صلى الله علیه وسلم قال: [من تعلم لغة قوم أمن شرهم]. وكذلك فقد أمر زید بن ثابت بتعلم لغة السریان: رُوی عن زید أنه أمره الرسول صلى الله علیه وسلم بتعلم لغة السریان (انظر ابن الأثیر: ج2، ص 222، ومسند الإمام أحمد: ج 5،
ص 182): (قال زید بن ثابت: قال لی رسول الله صلى الله علیه وسلم: تُحسِن السریانیة أنها تأتینی كتب. قال: قلت: لا. قال: فتَعَلَّمْها فتعَلَّمَها فی سبعة عشر یوماً).

وأما فی العصر العباسی فهو غنی عن التعریف فقد فتح المأمون دار الحكمة، وكان فیها قسم للترجمة من وإلى اللغة العربیة واللغات الأخرى، ونجد أن ابن المقفع مثلاً قد تعلم لغة الفرس والهنود وترجم الكثیر من قصصهم وآدابهم، مثل كلیلة ودمنة وغیرها...

وفی العصر الأندلسی (كمال: 1982)، نجد أن العبریین تعلموا اللغة العربیة وألفوا كتبهم اللغویة والعلمیة والأدبیة باللغة العربیة. فهذه الدلائل تؤكد بأن تعلم اللغات كان معروفاً منذ القدیم ولیس ولید القرن الحالی.

ونعود الآن إلى الفرضیتین الأخیرتین الثالثة والرابعة لمناقشتهما وهما:

- الدراسات العربیة التی أسهمت فی میدان تعلیم الأصوات وتعلّمها.

- والدراسات العربیة التقابلیة القدیمة بین العربیة وغیرها من اللغات.

من المعروف إن متعلمی اللغة العربیة الأجانب یواجهون صعوبات فی نطق الأصوات العربیة أثناء تعلمهم إیاها. وهذه الصعوبات الصوتیة التی تواجه المتعلمین للغة العربیة مشكلتها قدیمة ولیست ناعمة الأظفار. فقد تحدث عنها القدامى والمحدثون من علماء العربیة.

فقد أشار الخلیل بن أحمد الفراهیدی إلى ظاهرة اللثغة فی كتابه العین. فقال: الثعثعة: حكایة كلام الرجل یغلب علیه الثاء والعین فهی لثغة فی كلامه... الذعاق بمنزلة الزعاق. قال الخلیل: سمعناه فلا ندری ألغة هی أم لثغة. وقال أیضاً: ولیس فی شیء من الألسن ظاء غیر العربیة.

ولقد تناول سیبویه فی باب اطراد فی الفارسیة، مسألة تعلم الفرس للغة العربیة. فالفرس عندما یتعلمون اللغة العربیة، ویواجهون بحرف جدید، فإنهم یبدلون الحرف الذی لا یوجد فی لغتهم إلى أقرب حرف له فی المخرج فی لغتهم الأم؛ فیقول:

(یبدلون من الحرف الذی بین الكاف والجیم: الجیم، لقربها منها. ولم یكن من إبدالها بد؛ لأنها لیست من حروفهم. وذلك نحو الجریز، والآجر، والجورب. وربما أبدلوا القاف لأنها قریبة أیضاً، قال بعضهم: قربز، وقالوا: كربق، وقربق.

ویبدلون مكان آخر الحرف الذی لا یثبت فی كلامهم، إذا وصلوا الجیم وذلك نحو: كوسه، وموزه؛ لأن هذه الحروف تبدل وتحذف فی كلام الفرس، همزة مرة ویاء مرة أخرى. فلما كان هذا الآخر لا یشبه أواخر كلامهم صار بمنزلة حرف لیس من حروفهم. وأبدلوا الجیم، لأن الجیم قریبة من الیاء، وهی من حروف البدل. والهاء قد تشبه الیاء، ولأن الیاء أیضاً قد تقع آخرة. فلما كان كذلك أبدلوها منها كما أبدلوها من الكاف. وجعلوا الجیم أولى لأنها قد أبدلت من الحرف الأعجمی إلى بین الكاف والجیم، فكانوا علیها أمضى.

وربما أدخلت القاف علیها كما أدخلت علیها فی الأول، فأشرك بینهما، وقال بعضهم: كوسق، وقالوا: كربق، وقالوا قربق... فالبدل مطرد فی كل حرف لیس من حروفهم، یبدل منه ما قرب منه من حروف الأعجمیة).

فهنا یبین لنا سیبویه: أن متعلم اللغة الثانیة یبدل الحرف الذی لا یوجد فی لغته الأم إلى أقرب حرف له فی المخرج فی لغته الأم.

ولقد أسهب الجاحظ أیضاً فی حدیثه عن مشكلة اللثغة واللكنة وبعض عیوب أمراض اللسان عند بعض الناس. ومن خلال عرضه لهذه المسألة، تحدث عن تعلم الأجانب لأصوات اللغة العربیة، وقد قام بشرح اللثغة، وذكر أسبابها، وطریقة علاجها.

ولنستمع لما یقوله عن اللثغة:

(قال أبو عثمان: وهی أربعة أحرف: القاف، والسین، واللام، والراء... فاللثغة التی تعرض للسین تكون ثاء، كقولهم لأبی یكسوم: أبی یكثوم... واللثغة التی تعرض للقاف، فإن صاحبها یجعل القاف طاء، فإذا أراد أن یقول: قلت له، قال: طلت له.. وأما اللثغة التی تقع فی اللام فإن من أهلها من یجعل اللام یاء، فیقول بدل قوله: اعتللت: أعتییت... وأما اللثغة التی تقع فی الراء، فإن عددها یضعف على عدد لثغة اللام، لأن الذی یعرض لها أربعة أحرف: فمنهم من إذا أراد أن یقول عمرو، قال: عمی، فیجعل الراء یاء، ومنهم من إذا أراد أن یقول عمرو، قال: عمذ، فیجعل الراء ذالاً...، ومنهم من یجعل الراء ظاء معجمة، فإذا أراد أن یقول: مرة قال مظة...).

ثم یذكر بعد ذلك أسباب اللثغة وهی:

1-   الزواج من امرأة لثغاء؛ فیقول: (... طلق أبو رمادة امرأته حین وجدها لثغاء، وخاف أن تجیئه بولد ألثغ...). فهذا سبب من الأسباب، والسبب الآخر هو:

2-   سقوط بعض الأسنان؛ حیث یقول الجاحظ على لسان سهل بن هارون:

(وقال سهل بن هارون: (لو عرف الزنجی فرط حاجته على ثنایاه فی إقامة الحروف، وتكمیل آلة البیان، لما نزع ثنایاه).

ویقول أیضاً: (وقد صحت التجربة، وقامت العبرة على أن سقوط جمیع الأسنان أصلح فی الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شطریها الشطر الآخر. وقد رأینا تصدیق ذلك فی أفواه قوم شاهدهم الناس بعد أن سقطت جمیع أسنانهم، وبعد أن بقی منها الثلث أو الربع).

هذه هی اللثغة التی تحصل فی مخارج الألفاظ، وأسبابها، أما طریقة علاجها كما یبرهن علیها الجاحظ، فهی كالتالی:

(فأما التی على الغین فهی أیسرهن، یقال إن صاحبها لو جَهَدَ نفسه جَهْدَه، وأحدَّ لسانه، وتكلف مخرج الراء على حقها والإفصاح بها، لم یَكُ بعیداً من أن تُجیبه الطبیعة، ویؤثر فیها ذلك التعهد أثراً حسناً).

فالطریقة الناجحة للعلاج برأیه هی كثیرة التمرین والتدریب على النطق. ویبرهن على هذا بالدلیل الواقعی العلمی من واقع التجربة التی جربها وشاهدها، مع ذكر اسم الشخص الذی كانت له اللثغة، وكان مشهوراً بها،

حیث یقول:

(وقد كانت لثغة محمد بن شیب المتكلم بالغین، وكان إذا شاء أن یقول: عمرو، ولعمری، وما أشبه ذلك على الصحة قاله، ولكنه كان یستثقل التكلف والتهیؤ لذلك، فقلت له: إذا كان المانع إلا هذا العذر فلست أشك أنك لو احتملت هذا التكلف والتتبع شهراً واحداً أن لسانك كان یستقیم).

وكانت لثغة محمد بن شیب المتكلم بالغین، فإذا حمل على نفسه وقوَّم لسانه أخرج الراء على الصحة، فتأتّى له ذلك. وكان یدع ذلك استثقالاً...

ویقول فی موضع آخر: (... فبِطول استعمال التكلف ذلّت جوارحه لذلك. ومتى ترك شمائله على حالها، ولسانه على سجیته، كان مقصوراً بعادة المنشأ على الشكل الذی لم یزل فیه. وهذه القضیة مقصورة على هذه الجملة من مخارج الألفاظ، وصور الحركات والسكون).

أما اللثغة التی تعرض للحروف فهی مختلفة عن هذه، حیث یقول:

(فأما حروف الكلام فإن حكمها إذا تمكنت فی الألسنة خلاف هذا الحكم ألا ترى السندی إذا جلب كبیراً فأنه لا یستطیع إلا أن یجعل الجیم زایاً، ولو أقام فی علیا تمیم، وفی سفلى قیس، وبین عُجَّز هوازن، خمسین عاماً. وكذلك النبطی القح، خلاف المغلاق الذی نشأ فی بلاد النبط، لأن النبطی القح یجعل الزای سیناً، فإذا أراد أن یقول: زورق، قال: سورق، ویجعل العین همزة، فإذا أراد أن یقول: مشمعل، قال: مشمئل...).




وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجاحظ یرى أن السندی إذا جلب كبیراً، فإنه لا یستطیع إلا أن ینطق الجیم زایاً... ففی زمنه لم تكن الأجهزة والوسائل الحدیثة التی تساعد فی تعلم النطق الجید متوفرة، لعلاج مثل هذه الحالات التی تعترض متعلمی اللغة الثانیة، فهذه الأجهزة من معامل لغویة ووسائل تعلیمیة وأجهزة تسجیل وغیرها تعین كثیراً فی التعلم. ویمكن أن تتغلب على العادات اللغویة بالتدریب المستمر والمتواصل.

ثم نراه یُفصِّل القول فی حدیثه عن ظاهرة عدم إفصاح لسان المتكلم عن البیان، أو أسباب الصعوبة. فنراه یرجئ هذه إلى أمور أهمها، حیث یقول:

(والذی یعتری اللسان مما یمنع من البیان أمور: منها اللثغة التی تعتری الصبیان إلى أن ینشؤوا، وهو خلاف ما یعتری الشیخ الهرم الماج، المسترخی الحنك، المرتفع اللثة، وخلاف ما یعتری أصحاب اللكن من العجم، ومن ینشأ من العرب مع العجم...).

فسبب عدم الإفصاح أو الصعوبة هو اللثغة واللكنة. واللثغة قد ضرب لها من الأمثلة الكثیر. أما اللكنة فمنها لكنة الأدباء ومنها لكنة الشعراء الخ... ومنها لكنة العامة، فاما لكنة الشعراء والأدباء، منها ما یلی:

اللكن من كان خطیباً، أو شاعراً، أو كاتباً داهیاً زیاد بن سلمى أو أمامة، وهو زیاد الأعجم. قال أبو عبیدة: كان ینشد قوله:

فتى زاده السلطان فی الودِّ رفعة

 

إذا غیَّر السلطان كل خلیل

قال: فكان یجعل السین شیناً، والطاء تاء، فیقول: (فتى زاده الشلتان).

ومنهم من یجعل الشین سیناً، فبدل أن یقول: شعرت، یقول: سعرت... فهو هنا یذكر أنواعاً من اللكن، منها ما كانت رومیة، ومنها ما كانت فارسیة، ومنها ما كانت نبطیة، ومنها ما كانت سندیة، وغیرها...

فأما لكنة العامة ومن لم یكن له حظ فی المنطق. فمنهم من یجعل: الحاء هاء، فبدل أن یقول: حمار وحش، یقول: همار وهش...

ومن اللكن من یجعل القاف كافاً. وقال بعض الشعراء فی أم ولد له، یذكر لكنتها:

تذكیرها الأنثى وتأنیث الذكر

 

أول ما أسمع منها فی السحر

 

والسوءة السوآء فی ذكر القمر

 

لأنها كانت إذا أرادت أن تقول القمر، قالت: الكمر ومن خلال هذا نجد أن الجاحظ قد تبین أهمیة هذه الظاهرة فی تعلم أصوات اللغة وتعلیمها، من خلال حدیثه عن اللثغة واللكنة وبعض أمراض وعیوب اللسان. كما نجده یقارن بین لثغة العربی ولكنته، مع لثغة الفارسی والنبطی والرومی والصقلبی والسندی ولُكَنِهم... (والصقلبی یجعل الذال المعجمة دالاً فی الحروف).

وقال أیضاً: (ولكل لغة حروف تدور فی اكثر كلامها كنحو استعمال الروم للسین، والجرامقة للعین). ونجد اللغوی الأصمعی یقول (انظر، الجاحظ): (لیس للروم ضاد، ولا للفرس ثاء، ولا للسریانی ذال).

هذا وقد كانت دراسة الجاحظ للثغة دراسة میدانیة، اعتمد فیها على عینة من الناس، وكان یبرهن على ما یقوله بالدلیل المنطقی الواقعی الملموس.

أما السیوطی فقد تحدث عن مسألة الإبدال فی الحروف عند العرب، فقال: (حروف لا تتكلم العرب بها إلا ضرورة، فإذا اضطروا إلیها حولوها عند التكلم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها: وذلك كالحرف الذی بین الباء والفاء، مثل: بور، إذا اضطروا قالوا: فور).

ویقول فی موضع آخر: (انفردت العرب بالهمز فی عرض الكلام، مثل: قرأ، ولا یكون فی شیء من اللغات إلا ابتداءً. ومما اختصت به لغة العرب الحاء والطاء، وزعم قوم أن الضاد مقصورة على العرب دون سائر الأمم. وقد انفردت العرب بالألف واللام التی للتعریف، كقولنا: الرجل والفرس؛ فلسیتا فی شیء من لغات الأمم غیر العرب).

ومما یجب التنویه إلیه فی رأی السیوطی هنا هو قوله: عن انفراد العرب بالهمز فی عرض الكلام. فنجد أن الهمزة یمكن أن تأتی فی عرض الكلام فی اللغات الأخرى. ففی كثیر من اللهجات الانكلیزیة فی بریطانیا (جاسم، 1992) "یرد لفظ التاء (T) بطرق مختلفة. ففی أول الكلمة تلفظ تاء، مثل: Tea، فتنطق (تِی)، أما فی وسطها ونهایتها، فتلفظ همزة عندما تكون بین العلات (أحرف العلة). مثال ذلك: عندما تأتی التاء فی وسط الكلمة (Water) فإنها تنطق همزة (وُأَر)، وكذلك فی نهایة الكلمة: But فتنطق: (بأ، أو بتء)، أی أنها تنطق همزة من دون التاء، وتنطق تاء وهمزة معاً".

وفی اللغة الملایویة (المالیزیة) تنطق الهمزة فی أول الكلمة ووسطها ونهایتها. فمثلاً، فی أول الكلمة: (أتَوْك) وتعنی: جَدّی... وفی وسط الكلمة: (كِرَاجَأن) وتعنی الحكومة. وفی نهایة الكلمة: (تأ) وتعنی أداة النفی لا، مثال: تأ أدا، وتعنی غیر موجود... أو (توء) وتعنی جَدّی.

من خلال مراجعة هذه الدراسات العربیة القدیمة اتضح لنا أنها أسهمت فی میدان علم اللغة التقابلی، وتعلیم الأصوات وتعلمها عند غیر العرب.

ومن المعلوم أن علم اللغة التقابلی عندما یقوم بدراسة فی أی مستوى من مستویات اللغة یبدأ بوصف نظام كل واحدة من اللغتین على حدة، ثم یقابل بینهما، ویقوم بحصر أوجه التشابه والاختلاف بین نظامی اللغتین المدروستین، ثم ینتهی بنتائج البحث فیقول مثلاً: إنه توجد هذه الأصوات فی اللغتین، ولا توجد تلك الأصوات فی إحداهما. فالأصوات التی لا توجد فی اللغة الثانیة تسبب صعوبة أثناء تعلمها، والأصوات الموجودة فی اللغتین لا تسبب صعوبة أثناء تعلمها، ومن ثم اقتراح الطریقة المناسبة للعلاج.

وكما ینص علم اللغة التقابلی أیضاً على تأثیر اللغة الأم فی تعلم اللغة الثانیة، وبالتالی ینقل المتعلم عاداته اللغویة من لغته الأم إلى اللغة الثانیة التی یتعلمها (انظر، صینی 1982). ونحن نجد أن سیبویه، والجاحظ، والسیوطی ذكروا ذلك فی حدیثهم عند تعلم الأجانب والعرب لأصوات اللغة الثانیة، ولنستمع إلى ما قاله الجاحظ فی هذا الشأن:

(... ومتى ترك شمائله على حالها، ولسانه على سجیته، كان مقصوراً بعادة المنشأ على الشكل الذی لم یزل فیه...).

فهو هنا یؤكد تأثیر اللغة الأم على اللغة الثانیة، حیث أن المتعلم ینقل عاداته اللغویة من لغته الأم إلى اللغة الثانیة التی یتعلمها.

وكما أشار إلیه سبویه عندما قال: (یبدلون من الحرف الذی بین الكاف والجیم: الجیم، لقربه منها. ولم یكن من إبدالها بدٌّ؛ لأنها لیست من حروفهم... فالبدل مطرد فی كل حرف لیس من حروفهم، یبدل منه ما قرب منه من حروف الأعجمیة).

فالمتعلم الذی یتعلم اللغة الثانیة یبدل الحروف التی یتعلمها فی اللغة الجدیدة إلى حروف لغته الأم فی حال عدم وجود هذه الحروف فی نظام لغته.

ویبحث علم اللغة التقابلی أیضاً فی كیفیة تعلم الأجانب لأصوات اللغة الهدف، مثلاً الطالب الأجنبی ینطق الحاء هاء، ثم یبحث عن سر هذه المشكلة، لماذا ینطق الحاء هاءً؟ هل هی غیر موجودة فی لغته الأم؟ أم أن هناك سبباً آخر غیر ذلك. كاعتیاد أعضاء النطق عند الكبیر على النطق بالطبیعة التی تكیفت معها أعضاؤه... فقد وجدنا أن الجاحظ قد تحدث عن هذه القضایا كلها مبیناً كیفیة نطق العرب والأجانب للحروف، مع ذكر طریقة العلاج المناسبة لذلك، حسب ما كان سائداً من معارف فی عصره. وفی حدیثه عن اللثغة بین كل هذا بالتفصیل. وكما أن علم اللغة التقابلی فی القرن العشرین یوصی: بكثرة التدریب على الأصوات التی توجد فیها صعوبة نطقیة، كوسیلة من وسائل العلاج. فقد تحدث عنها الجاحظ سابقاً، وهی كثرة التمرین والتدریب على الأصوات التی توجد فیها الصعوبة.

ولقد أثبتت الدراسات اللغویة التقابلیة الحدیثة فی دراسة الأصوات، أن المتعلم للغة ثانیة یمیل إلى استبدال الصوت الذی یتعلمه ولا یوجد فی لغته إلى أقرب صوت له فی المخرج فی لغته الأم وبالأخص علم اللغة التقابلی. وأن الأصوات التی لا توجد فی لغته الأم تشكل صعوبة نطقیة له أثناء تعلمها (انظر، جاسم: 2001).

- الخلاصة

من خلال هذا العرض الموجز تبین لنا أن دراسات العرب القدماء كانت هی الأساس لنشوء هذا الفرع من علم اللغة، فنجد دراسات سیبویه والجاحظ والسیوطی وغیرهم تعتبر تقدماً كبیراً فی میدان علم اللغة التطبیقی أو علم اللغة التقابلی. فقد وجدنا أن الجاحظ فی علاجه لمشكلة اللثغة یشرح أسس هذا العلم، مثل: توصیف المشكلة، وبیان الأسباب، وشرحها، وذكر طریقة العلاج المناسبة لها، وغیرها...

وقد اتضح لنا أیضاً وجود دراسات عربیة قدیمة فی مجال علم اللغة التقابلی، اهتمت بمشكلات تعلم الأصوات وتعلیمها، وكانت تلك الدراسات هی النواة الأولى لنشأة هذا الفرع الجدید من فروع علم اللغة التطبیقی، فهذا العلم لم یكن جدیداً إلا باسمه، ولكنه موجود من حیث المبدأ والتأسیس منذ أیام الخلیل بن أحمد الفراهیدی.

وبناء على ذلك نقول: إن نظریة علم اللغة التقابلی (التحلیل التقابلی) لیست جدیدة فی علم اللغة الحدیث، بل هی قدیمة منذ زمن سیبویه والجاحظ والسیوطی. وإن كان سیبویه لم یُشِر إلى الطریقة المناسبة لتعلیم تلك الأصوات التی توجد فیها صعوبة، وذلك خلاف ما وجدناه عند الجاحظ.

المصادر والمراجع
1- أسد الغابة فی معرفة الصحابة، ابن الأثیر، بیروت: دار إحیاء التراث العربی، المجلد الثانی، 1377هـ.

2- البیان والتبیین، الجاحظ، تحقیق وشرح عبد السلام محمد هارون، القاهرة: مكتبة الخانجی للطباعة والنشر والتوزیع، ج1، ط5، 1985م.

3-فی طرق تعلیم اللغة العربیة للأجانب، جاسم، جاسم علی، كوالا لمبور: إیه. إیس. نوردین، ط2، 2001م.

4- المحادثة العربیة المعاصرة للناطقین بالانجلیزیة، جاسم، جاسم علی. العبد، أمیرة عبید. جاسم، زیدان علی. كوالا لمبور: إیه. إیس. نوردین، 199.

5- دراسة فی علم اللغة الاجتماعی، جاسم، زیدان علی، مراجعة وتدقیق زید علی جاسم وجاسم علی جاسم، كوالا لمبور: بوستاك أنتارا، ط1، 1993.

6- علم اللغة الاجتماعی: نشأته وموضوعه، جاسم، زیدان علی، مجلة الدراسات العربیة والإسلامیة، برونی دار السلام، مج3، ع3، نوفمبر، 1992.

7- مسند الإمام أحمد بن حنبل، ابن حنبل، أحمد. دار الفكر.

8- اللغات الأجنبیة تعلیمها وتعلمها، خرما، نایف. الحجاج، علی. عالم المعرفة، الكویت، 1988.

9-سیبویه، تحقیق وشرح عبد السلام محمد هارون، بیروت: عالم الكتب، ط3، 1983.

10-المزهر فی علوم اللغة وأنواعها، السیوطی، عبد الرحمن جلال الدین. شرحه وضبطه وصححه وعنون موضوعاته وعلق حواشیه محمد أحمد جاد المولى بك وغیره، صیدا، 1986.

11-التقابل اللغوی وتحلیل الأخطاء، صینی، محمود إسماعیل، وغیره (تعریب وتحریر). ط1، الریاض، عمادة شؤون المكتبات، جامعة الملك سعود، 1982.

12-الأغانی، أبو الفرج الأصبهانی. مصور عن طبعة دار الكتب، مؤسسة جمال للطباعة والنشر.

13-كتاب العین، الفراهیدی، الخلیل بن أحمد. تحقیق: مهدی المخزومی وغیره، دار ومكتبة الهلال.

14-دروس الغة العبریة، كمال، ربحی. بیروت، عالم الكتب، 1984.

Bloomfield, L. 1933. Language. New York: Henry Holt and Company.

Fisiak, J. 1981. Some introductory notes concerning contrastive linguistics. In Fisiak, J (ed.). Contrastive Linguistics and the Language Teacher, OxfordPergamon.

Fries, C.C. 1945. Teaching and learning English as a foreign language. An Arbor: Wahr James, C. 1980. Contrastive analysis. London: Longman.

Jassem, J. A. 2000. Study on second language learners of Arabic: an error analysis approach. Kuala Lumpur: A.S.Noordeen.

JassemJassem Ali. JassemZaid Ali, and JassemZaidanAli. (1995) Drills and Exercises in Arabic Writing and Pronunciation for Learners for Arabic as a Foreign/Second language. Kuala Lumpur: Golden Books Centre SDN. BHD.

JassemZaidan Ali. 1993. Impact of the Arab-Israeli Wars on Language & Social Change in the Arab World, the Case of Syrian Arabic. Kuala LumpurPustaka Antara.

JassemZaidan Ali. 1993. On Malaysian English. ItsImplication for the Teaching of English as a Second or Foreign Language (TESL/TEFL). Kuala LumpurPustakaAntara.

JassemZaidan Ali. 1984. Word Stress Pattern. ADurham UniversityUK.

University of Michigan Press.

Nyamasyo, E.A. 1994. An analysis of the spelling errors in the written English of Kenyan pre-university students.Language, Culture and Curriculums 7 (1): 79-92.

Skinner, B.F. 1957. Verbal behavior. New JerseyEnglewoodCliffs.

Van Buren, P. 1974. Contrastive analysis. In Allen, J.P.B. andOxford University Press.

Whitman, R. & Jackson, K.L. 1972. The unpredictability of contrastive analysis. Language Learning 22: 29-41.


 



([1])  باحث سوری یدرَّس فی جامعة ملایا فی مالیزیا.

([2])  باحث سوری یدرَّس فی جامعة الملك سعود.

 

 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر