تبلیغات
alarabee - الاستعراب الإسبانی والتراث الأندلسی
پنجشنبه 6 آبان 1389

الاستعراب الإسبانی والتراث الأندلسی

   نوشته شده توسط: zohre pourshaban    

الاستعراب الإسبانی والتراث الأندلسی من خلال

 

ثلاثة نماذج: خوان أندریس ـ غاینغوس ـ ریبیرا

 

 

 

                                        الأستاذ محمد القاضی

                                                                           طنجة

 

 

 

تحدید المصطلح: استشراق أم استعراب؟

        یرفض الكثیر من الإسبان المهتمین بالدراسات العربیة والإسلامیة نعتهم بالمستشرقین ویفضلون بدلها كلمة »الاستعراب« ((Arabistas نظراً لأنهم كلهم نذروا حیاتهم لدراسة اللغة العربیة وآدابها وحضارة المسلمین وعلومهم فی شبه الجزیرة الإیبیریة بصفة خاصة دون أن یهتموا بلغات شرقیة أخرى كالفارسیة والتركیة والأردیة وغیرها، إلا ما كان من طرف بعض الباحثین المعاصرین وهم قلة. ویلح المستعرب بیدرو مارتینث مونتابیث على استعمال  »كلمة "الاستعراب" (Arabista)، لأن الدراسات التی بدأت  فی إسبانیا وازدهرت منذ وقت طویل كانت الدراسات العربیة، ولا توجد منذ بدایة هذه الدراسات دراسات فی التركیة وفی الصینیة والهندیة وكلها تدخل فی الاستشراق« ().

        ویرى الدكتور محمود صج »أنه یجب التمییز بین المستعربین والمستشرقین فی إسبانیا. المستعربون هم الذین یهتمون بالدراسات العربیة الإسلامیة، وبخاصة الأندلسیة منها، والمستشرقون هم الذین یهتمون بقضایا الشرق على العموم، وبخاصة قضایا الشرق الأقصى«().

        والاستعراب استعمال قدیم. فقد استعمله ابن الفریة، وهو من خطباء العرب المشهورین بالفصاحة والبلاغة. فإنه قال لما سأله الحجاج عن أهل البحرین: »نبط استعربوا«؛ قال: »فأهل عمان«؛ قال: »عرب استنبطوا«، وذلك یكون إما لغة أو انتساباً أو لعلاقة أخرى().

        أما فی الأندلس، فقد أطلقت كلمة »المستعربة« أو »المستعربین« Mozarabes)) على العناصر المسیحیة التی استعربت فی لغتها وعاداتها، ولكنها بقیت على دینها محتفظة ببعض تراثها اللغوی والحضاری. وقد كفلت لهم الدولة الإسلامیة حریة العقیدة، فأبقت لهم كنائسهم وأدیرتهم وطقوسهم الدینیة التی كانت تقام باللغة اللاتینیة، كما كان لهم رئیس یعرف بـ»القومس« (Gomez) وقاضٍ یعرف بقاضی العجم أو النصارى، یفصل فی منازعاتهم بمقتضى القانون القوطی().

        وقد وصف ألبارو (Alvaro) ونفسه تقطر حزناً وألماً فقال:

 

               إن إخوتی فی الدین وأبناء رعیتی یتذوقون الأشعار والروایات العربیة ویتعمقون فی دراسة الفلاسفة المسلمین. ولیت انصرافهم هذا یؤدی إلى مساعدتهم على دحض المذاهب الإسلامیة أو الرد علیها، بل على العكس لكی یتمكنوا من هذه اللغة ومن آدابها ولیجیدوا استعمالها أحسن فأحسن أین نجد الآن علمانیاً واحداً نصرانیاً یقرأ الأناجیل أو حیاة القدیسین وأعمال الرسل والأنبیاء؟ آه ویا للأسف! إن الشباب المسیحی الذی تمیز بذكائه وعبقریته لا یجد اللذة والمتعة الروحیة إلا فی قراءة الكتب العربیة وآدابها وینفقون الأموال الطائلة على شراء هذه الكتب وتشكیل مكتبات ضخمة، وینادون على رؤوس الأشهاد: أن لا آداب توازی الآداب العربیة كلموهم عن الكتب المسیحیة یجیبوكم بازدراء: »إنها لا تستحق الانتباه…«. آه ما أتعسنا! إن المسیحیین منا قد نسوا لغتهم، وبین ألف شخص منهم لا یوجد واحد یحسن كتابة رسالة إلى صدیقه باللغة اللاتینیة، ولكن إذا طلبته للكتابة باللغة العربیة أجاد كل الإجادة بحیث أن الكثیرین من إخواننا فی الدین یحسنون اللغة العربیة أفضل من العرب أنفسهم ().

        ولقد أدَّى هؤلاء دوراً مهماً فی نقل الحضارة العربیة الإسلامیة إلى الممالك المسیحیة بشمال إسبانیا وجنوب فرنسا، وكانوا أداة وصل بین شطری إسبانیا، ولم ینقطعوا عن التنقل بین أراضی المسلمین وأراضی النصارى فی الشمال. فعملوا بذلك على نشر الثقافة الإسلامیة بین أهل الشمال، وبخاصة عن طریق ترجمة كتب المسلمین، وشاركهم فی ذلك الیهود حیث اضطلعوا بدور كبیر فی ترجمة المصنفات العربیة إلى اللاتینیة والقشتالیة، مما جعل الفقیه الإشبیلی ابن عبدون ـ فی القرن الثانی عشر المیلادی ـ یدعو إلى ألاَّ »یباع من الیهود ولا من النصارى كتاب علم إلا ما كان من شریعتهم. فإنهم یترجمون كتب العلوم وینسبونها إلى أهلهم وأساقفتهم، وهی من توالیف المسلمین«().

         ومع مرور الزمن وتطور مفهوم »الاستعراب« وصیرورته ذا طابع علمی

 

            یختص بدراسة حیاة العرب وما یتعلق بهم من حضارة وآداب ولغة وتاریخ وفلسفات وأدیان وله أصوله وفروعه ومدارسه وخصائصه وأتباعه ومنهجه وفلسفته وتاریخه وأهدافه. والمستعرب هو عالم ثقة فی كل ما یتصل بالعرب وبلاد العرب أو باللغة العربیة والأدب العربی، أو بالأحرى المستعرب هو من تبحر من غیر أهل العرب فی اللغة العربیة وآدابها وتثقف بثقافتها وعنی بدراستها ().

 

        ومهما یكن من أمر، فإن إسبانیا تمیزت عن غیرها من الدول الأوربیة الأخرى التی تدین بالشیء الكثیر لإسبانیا العربیة بأنها كانت سباقة إلى الاحتكاك بالعرب والاستفادة من حضارتهم وثقافتهم، مما جعلها تتبوأ مكانة خاصة فی میدان الاستعراب بصفة عامة؛ كما أن اهتمام الإسبان اتجه بالدرجة الأولى إلى دراسة الثقافة والفكر العربی الإسلامی الذی أنتجته العبقریة الأندلسیة فأدوا للتراث العربی والإسلامی خدمات لا تنكر سواء بأبحاثهم ودراستهم الجادة أو بتحقیقاتهم للتراث الأندلسی واكتشاف مصادره ونفض غبار الإهمال عن كثیر من المؤلفات المهمة التی لولاهم ما رأت النور؛ كما قاموا بوضع فهارس یستفید منها الباحثون والمهتمون بالتراث الأندلسی.

 

 

I ـ  خوان أندریس (1740 ـ 1817) والتأثیر العربی فی الثقافة الإسبانیة

        كتب الكثیر عن التأثیر العربی الإسلامی فی الثقافة الغربیة وتناول الباحثون والمهتمون هذا الموضوع بالدراسة والتحلیل والمقارنة، فأبرزوا الدور الهام الذی لعبته الثقافة العربیة الإسلامیة بصفتها ثقافة إنسانیة متطلعة إلى أفق أخلاقی رفیع المستوى، یعطی الحضارة امتدادها الإنسانی، ویرتقی بمستوى الطموح البشری لیجعله طموحاً بانیاً ومعبراً عن كرامة الإنسان وسمو وعیه. وقد حظیت هذه الثقافة بالتقدیر والإعجاب من طرف الشعوب التی ارتبطت بالإسلام دیناً وثقافة وحضارة. ویعتبر الراهب الإسبانی خوان أندریس (Juan Andres) أول من أشار إلى الأثر العربی فی الثقافة الإسبانیة خاصة والأوربیة عامة. فقد ألف كتاباً عن أصول الأدب عامة وتطوراته وحالته الراهنة باللغة الإیطالیة ونشره فی سبعة مجلدات، وذلك بین سنتی 1782 و1798 وترجمه إلى الإسبانیة بین سنتی 1784 و1806)، وهو بعنوان: Origen progresos y estado actual de toda la letteratura. وقد فجر فیه الكثیر من القضایا الأدبیة والفكریة والتاریخیة: »وأعلن أن كل ما بلغته أوربا من نهضة فی العلوم والفنون والآداب إنما كان بفضل ما تلقته من العرب عن طریق الأندلس وصقلیة الإسلامیة«().

        وقال أندریس:

             بینما تصرف المدارس الكنسیة جهدها إلى تلقین الناس الأناشید الدینیة، وتعلمهم القراءة وعد الأرقام، وبینما نجد الناس فی فرنسا كلها یهرعون إلى متز وسواسون یكتب أناشیدهم الكنائسیة لكی یقوموها على النحو المتبع فی كنائس روما، نجد العرب یبعثون السفارات لاستجلاب الكتب القیمة ما بین إغریقیة ولاتینیة، ویقیمون المراصد لدراسة الفلك، ویقومون بالرحلات لیستزیدوا من العلم بالتاریخ الطبیعی وینشئون المدارس لتدرس فیها العلوم بشتى صنوفها ().

        والجدیر بالذكر أن أحكام الراهب خوان أندریس هذه قد أسسها على كتاب العالم اللبنانی المارونی میخائیل الغزیری (Miguel Casiri) (1701 ـ 1791) الذی استدعته الحكومة الإسبانیة إلى مدرید سنة 1738 م وعینته موظفاً فی المكتبة الملكیة بمدرید، ومدیراً مساعداً لمكتبة الأسكوریال، ومترجماً للملك فی اللغات الشرقیة وعهدت إلیه الحكومة الإسبانیة منذ البدایة بالمهمة الرئیسة التی دعته إلى القیام بها، وهی دراسة المجموعة العربیة بالأسكوریال والتعریف بها، ونزل الغزیری بقصر الأسكوریال فی سنة 1749 ولبث مقیماً به حتى سنة 1753 م. وفی سنة 1760 م أصدر الجزء الأول من فهرسه اللاتینی الشهیر بعنوان "المكتبة العربیة الإسبانیة فی الأسكوریال". واتبع فی وضعه قاعدة التركیز، وهی تدور حول المواد والتحلیلات، وجرى على أسلوب الاقتباسات الموجزة والمطولة فی إبراز قیمة المخطوطات ذات الأهمیة الخاصة وترجمة هذه الاقتباسات إلى اللاتینیة().

        وتتلخص أفكار هذا الراهب فی أن كل ما هو موجود فی أوربا من الحضارة إنما یدین للعرب وإلى المسلمین، وأن الفضل فی قیام الدراسات الطبیة فی أوربا یرجع إلى ما كتبه العرب، وأن قیام التألیف العلمی فی أوربا فی الطب والریاضیات والعلوم الطبیعیة مرجعه إلى العرب. وتأییداً لرأیه ذكر أسماء: Gerberto وCampamo Denovara وAdelardo وAlfonso Elsabio وMoraly وBath، وقال إنهم أعلام حركة انتقال علوم العرب إلى أروبا وذهب إلى أن روجر باكون استقى مادة مؤلفه عن العدسات (anteojos) من الكتاب السابع من "أوبتیكا" للحسن بن الهیثم، وأن فیتالیون اختصر النظریات التی أودعها ذلك العالم المسلم فی الكتاب نفسه وشرحها، وأن لیوناردو بساما أخذ علم الجبر من مؤلفات العرب، ونقل عنهم الأرقام العربیة وأدخلها إلى أروبا، وعلمها لأهلها، وأن جیربرت درس علم الحساب العربی فی إسبانیا الإسلامیة وأدخله إلى المدارس الأوربیة، وأن Ronaldo di Villanova تلقى تعلیمه كله فی إسبانیا الإسلامیة على أیدی العرب وعن كتبهم ومدارسهم أخذ  المعارف النافعة فی الطب والكیمیاء التی نشرها فی أوربا.

        وذهب أندریس كذلك إلى أن  الفیلسوف الكتلانی Lulio مدین للأدب العربی فی كثیر، وأن أعلام الطب الأوربی قبل النهضة أمثال جلبیترو وجیرالمو إنما نهلوا من كتب العرب، ومن مؤلفات أبی القاسم الزهراوی على وجه الخصوص، وأن بییر دانییل هوست ذهب إلى أن دیكارت أخذ عن أعلام الفكر الإسلامی مبدأه الرئیس الذی یقول: »إن كل من یستطیع أن یفكر فهو موجود«، وأن كبلر استوحى اكتشافه الأفلاك الدائریة للكواكب من كتابات البطروجی، وأن بعض آراء سانتو توماس فی الإلهیات مستقاة من كتب العرب »ولو لم یكن للعرب من الفضل إلا الاحتفاظ بذخائر العلوم التی أهلتها الشعوب الأوروبیة ونقلها، وإیداعها أیدی الناس عن طیب خاطر لاستحقوا من أهل الأدب المحدثین الشكر والعرفان«. أما عن إسبانیا الإسلامیة خاصة، فقد أشار أندریس إلى حقیقة خطیرة أثبتها البحث العلمی فیما بعد، وهی أن الناس فی الأندلس كانوا یستعملون لغتین دارجتین: إحداهما عربیة والأخرى »رومانثیة« (romance)، وأن كتدرائیة طلیطلة تضم مئات الوثائق باللغة العربیة، خلفها النصارى الذین كانوا یستخدمون العربیة فی حیاتهم.

        وذهب إلى أن الشعر الإسبانی إنما نشأ أول أمره تقلیداً للشعر العربی، وانتهى إلى هذا الرأی استنتاجاً وقال: إن اختلاط النصارى والمسلمین من الطبیعی أن یدفع الأول إلى تقلید الآخرین، ویمضی مع تفكیره المنطقی. وصور هذا الشعر وقوالبه حریة بأن تنتقل إلى بروفانس عن طریق الصلات المتبادلة بین الفرنسیین والإسبان ـ نصارى ومسلمین ـ وتجوال شعراء التروبادور، فنشأ الشعر البروفانسی على أساس من الشعر العربی، فهو ینتسب إلى العرب أكثر مما ینتسب إلى الیونان واللاتین، إذ لم یكن لدى البروفانسیین علم بهذین الأدبین فی حین أن شعر العرب كان أقرب إلیهم مورداً.

        ویؤكد أن قواعد القافیة التی اتبعها الشعر الشعبی، إسبانیاً كان أو بروفانسیاً، وأسالیب صیاغة الشعر الحدیث ونظمه مأخوذة عن العرب؛ وكذلك قصص الخرافات والحكایات ترجع فی نشأتها إلى أصول عربیة.

        وقد بقیت هذه الإشارات المجملة التی كتبها خوان أندریس دون إثبات مؤكد فی عصره، لأن شیئاً من آثار الأندلسیین لم یكن قد نشر إذ ذاك. أما الیوم وبعد قرنین من الزمن على صدور كتابه، فإننا نستطیع أن نذكر الكثیر عن أثر المسلمین فی آداب من جاء بعدهم من الشعوب الأوربیة وخاصة الإسبان().

        إن هذه الآراء والأحكام والجرأة على كتابتها ونشرها فی ذلك الوقت من طرف راهب منفی، لأنه طرد من إسبانیا عام 1765 لأسباب داخلیة متعلقة بخلافات داخل التنظیم الكنیسی المسیحی، ما كان لها لتقبل وخصوصاً من طرف معاصریه الذین عارضوا آراءه واعتبروها من نسج الخیال ونشطوا فی الرد علیها سواء فی إیطالیا أو فی باقی الدول الأوربیة.

 

 

II  ـ  باسكوال دی غایَنْغُوس (1809 ـ 1897 م) باعث الدراسات العربیة والإسلامیة فی إسبانیا

        یعتبر باسكوال دی غاینغوس ((Pascual de Gayangos المؤسس الحقیقی للاستعراب العلمی الإسبانی الحدیث. فقد أمضى طفولته فی باریس حیث درس على المستشرق الفرنسی المشهور دی ساسی (De Sacy) مدة ثلاث سنوات انتقل بعدها إلى لندن ومنها عاد إلى إسبانیا وبعدها إلى لندن، ومنها إلى إسبانیا.

        فی سنة 1833 عین غاینغوس مترجماً فی وزارة الخارجیة الإسبانیة، وفی سنة 1843 عین لشغل كرسی اللغة العربیة الذی أنشئ بالجامعة الإسبانیة بمدرید. كان أول من اهتم به هذا الباحث هو دراسته للتراث الأندلسی تاریخاً وفكراً وحضارة، فتمكن من جمع مكتبة نفیسة ضمت أكثر من أربعمائة مخطوط. ویعد:

             رائداً لضرب جدید من الدراسات الأندلسیة، یقوم على تفهم صحیح لحضارة العرب فی إسبانیا وتقدیر لمنجزاتها غیر أن أهم منجزاته على الإطلاق هو إعداده لطائفة كبیرة من تلامیذه خدموا الدراسات العربیة طول القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرین ().

 

        قام غاینغوس بتصنیف كتاب عن تاریخ المسلمین فی إسبانیا ثم فهرسته للمخطوطات الإسبانیة فی المتحف البریطانی:

 

            ووصف قصر الحمراء مع بیان آثاره وتفسیر كتاباته الحجریة. لندن 1843 م وفذلكة عن صحة الصحیفة الإخباریة للرازی فی صفة الأندلس متنا وترجمة إسبانیة ورسالة فی بیان فضل الأندلس وذكر علمائها عن المقری متنا وترجمة إنجلیزیة، وقصیدة مدیح محمد وهی من الشعر الإسبانی فی القرن الرابع عشر ().

 

        لعل أهم أعماله فی هذا المیدان هو وقوفه على مصدرین من مصادر التراث الأندلسی وتحقیقهما ونشرهما وهما: "نفح الطیب" للمقری. فقد قام بنشر قسمٍ كبیرٍ منه وترجمته إلى الإنجلیزیة فی مجلدین (لندن ـ مدرید 1840 ـ 1843). یقول فی مقدمته:

 

             إن ماریانا وأكابر المؤرخین الإسبانیین تحدوهم عاطفة بغض قومی عمیق، أو نزعة تعصب دینی، أبدوا دائماً أبلغ الاحتقار لمؤلفات العرب فكانوا یرفضون وسائل البحث التی تقدمها لهم الوثائق التاریخیة العربیة الكثیرة، ویهملون المزایا التی قد تترتب على المقارنة بین الروایات النصرانیة والإسلامیة، ویوثرون أن یكتبوا تواریخهم من جانب واحد. وقد ترتب على هذا الروح الضیق الذی یطبع كتاباتهم أثر واضح. ذلك أن تاریخ إسبانیا فی العصور الوسطى ما یزال ـ بالرغم مما أفاض علیه النقدة المحدثون ـ معتركاً من الخرافة والمتناقضات ().

 

        أما المصدر الثانی، فهو كتاب "تاریخ افتتاح الأندلس" لابن القوطیة الذی نشره فی مدرید سنة 1868 م، »ویؤخذ على ناشره عدم تعمقه لفهم المعنى العام للفصل أو المقطع لكثرة الأخطاء الإملائیة والنحویة التی وقع فیها وقد حظی المؤلف لقیمته العلمیة والتاریخیة بعنایة كبار المستشرقین الإسبان«().

        لقد كسر غاینغوس الصمت الطویل الذی فرض على كل ما هو عربی فی إسبانیا منذ سقوط الأندلس، وتجرأ على الكلام وأثبت ذلك بالحجج والوثائق فكانت أعماله كما یقول غوستاف دوغه (Gustave Dugat) فی كتابه "تاریخ المستشرقین": »فی إسبانیا إن أعمال غاینغوس الجدیة فیما یتعلق بتاریخ العرب معروفة لدى الجمیع. لقد أنشأ عدداً من الطلاب الذین یهتمون بالدراسات الشرقیة«().

        وعلى العموم، فإن أعمال غاینغوس الاستعرابیة تندرج فی إطار تحرری لا یخلو من عطف نحو الماضی الأندلسی والموریسكی كما استشهد بذلك الكاتب الإسبانی الكبیر خوان غویتسولو فی دراسته »تأملات فی الاستعراب الإسبانی« ().

       

 

III  ـ  خولیان ریبیرا إی طَرَاكُو (1858 ـ 1934 م) أول من تبنى فكرة الأصل الإسبانی لمسلمی الأندلس

        یعتبر خولیان ریبیرا إی طراكو (Julian Ribera y Tarrago) واحداً من كبار المستعربین الإسبان، وقف حیاته على دراسة الأدب الأندلسی وتاریخه. ولد فی كركخنته (Carcajente) من أعمال بلنسیة، تعلم اللغة العربیة على المستعرب كودیرا، وتخرج من جامعة سرقسطة، وعین أستاذاً للعربیة فیها سنة 1887 م، وأستاذاً لتاریخ حضارة الیهود والمسلمین فی جامعة مدرید (1905 ـ 1927 م)، ثم اعتزل التدریس، وعكف على التألیف فی بلنسیة. وقد انتخب عضواً فی المجمع اللغوی الإسبانی وفی غیره. وعد من بین كبار علماء الاجتماع والتاریخ والكشف عن أصل الشعر الغنائی الأوربی من المنابع العربیة.

        أنجز ربییرا العدید من الأعمال المهمة المتعلقة بالتراث الأندلسی منها نشره بمعاونة أستاذه كودیرا "المكتبة العربیة الإسبانیة"، وله "دراسات عن نظم التدریس عند المسلمین الإسبان" (سرقسطة 1893) و"أصول القضاء العالمی فی أرغون" (سرقسطة 1897) و"تاریخ القضاة بقرطبة" للخشنی القیروانی متنا وترجمة إسبانیة، وكتب علیه بالعربیة: وقف على طبعه خولیان ربییرا إی طراكو البلنسی (مدرید 1914)، كما نشر الملاحم الإسبانیة سنة 1915 بمدرید، و"دیوان ابن قزمان" (مدرید 1922) و"موسیقى الأندلسی والشعراء الجوالون" (مدرید 1925 م)، كما ترجم إلى الإسبانیة "تاریخ افتتاح الأندلس" لابن القوطیة. وكان قد نشره غاینغوس وسابیدرا من قبله ـ مع إضافات من كتاب "الإمامة والسیاسة" لابن قتیبة (مدرید 1926)، و"الموسیقى العربیة وأثرها فی الموسیقى الإسبانیة" (مدرید 1927)، وصنف كتاباً بعنوان: "بحوث ورسائل" فی جزئین اشتمل على الشاعر ابن قزمان والرد على دوزی، وأصول فلسفة رایموند لول، وجامعی الكتب والمكتبات فی إسبانیا الإسلامیة. وله فی المجلات العلمیة دراسات رصینة عن: أحوال العرب عند فتح الأندلس، وحول قلعة طریف، ومعاهدة سلام بین فیرناندو الأول حاكم نابولی وأبی عامر عثمان حاكم تونس. وقد حال الموت دون إنجاز كتاب: "تاریخ الثقافة الإسلامیة". وقد أحصى مؤلفاته وقدم لها آسین بلاثیوس فی كتاب عنوانه "أحادیث ونبذ" (1928 م) ().

        وككل مستعرب إسبانی فی عصره واجهته مشكلة التراث الأندلسی فی لغته العربیة الذی لم یكن متیسراً فی إسبانیا:

 

             وحین عزم على أن یطبع أمهات المصادر الأندلسیة فی نصها العربی بإسبانیا، لم یجد غیر مطبعة البرلمان. ففیها قسم عربی لطبع الوثائق السیاسیة، ولكنه یتقاضى أجوراً باهظة لا قدرة له علیها، فتركه لیفكر فی أمر لا یظنه دار بخاطر مستشرق قبله (إذا استثنینا المستشرقین الروس فقد مروا بالتجربة نفسها فیما أذكر): أن یشتری حروفاً عربیة، وأن یعمل علیها مع طلابه، ویجمعون بأیدیهم ویدفعون بما جمعوا إلى المطبعة، ویدفعون التكالیف من جیوبهم، ومن جیوب عشاق العصر العربی من الإسبان ().

 

        وهكذا انكب خولیان ریبیرا على دراسة التراث الأندلسی ثقافة وفناً وتاریخاً. وكان یعتبر الحضارة الأندلسیة جزءاً من التراث الإنسانی القیم، وأن كل منجزات الأندلسیین المسلمین فی العلوم والفنون والثقافة ینبغی أن تنتسب إلى إسبانیا قبل أن تنتسب إلى الشرق العربی أو الغرب الأوربی؛ كما أنه یعتبر أن المجتمع المولد الجدید فی الأندلس بعد الفتح والاختلاط والانصهار بین العرب الفاتحین والسكان الأصلیین كان عربی اللسان إسلامی الدین، وردد علانیة أنه:

 

             لیس ثمة فضل فی أن یعرف أحدنا اللغة العربیة، فهناك ملایین الرجال یعرفونها، ویتحدثون بها خیراً منا. أما الذی نستطیعه دون قدرة الملایین، فهو أن نجعل منها دوراً نكتشف فی هدیه أصول الثقافة الإسبانیة، ونوضح فی ضوئها ما خفی من جوانبها، حین كانت العربیة فی وطننا لغة الثقافة ولغة الحیاة ().

 

 

خولیان ریبیرا وإسبانیة الموشحات

        تعددت الآراء واختلفت حول أصل الموشحات وأوزانها، وكان الباحثون ـ وما زالوا ـ منقسمین إلى رأیین بارزین ما بین الأصل الإسبانی الأندلسی والعربی المشرقی، وكل فریق یدلی بآرائه وحججه فی هذا المیدان. ویرى الدكتور زكریا عنانی أن:

 

             الآراء حول النشأة الأندلسیة للموشحات أكثر من أن تحصى، ولكن لیس معنى هذا أن الموشحات ظاهرة مستقلة لا علاقة لها بالشعر العربی. فمؤلفو الموشحات هم أولاً وأخیراً شعراء عرب، وهذه حقیقة لم ینكرها حتى المستشرقون المنادون بأن فی الموشحات عناصر إسبانة محلیة().

        ویذهب خولیان ریبیرا إلى »إسبانیة الموشحات« ویدلل على نظریته هاته بما یلی: إن أهل الأندلس الإسلامی كانوا یستعملون اللغة العربیة الفصیحة لغة رسمیة یتعلمها الناس فی المدارس ویكتبون بها الوثائق وما إلیها. وأما شؤونهم الیومیة وأحادیثهم فیما بینهم، فكانوا یستعملون لهجة من اللاتینیة الدارجة أو العجمیة (El romance). ثم إن هذا الازدواج فی اللغة هو الأصل فی نشوء طراز شعری مختلط تمتزج فیه مؤثرات غربیة ومشرقیة. وقد ازدرى أهل الأدب الفصیح والمعنیون بأمره هذا الطراز الجدید، بینما مضى الناس جمیعاً یتناقلون مقطعاته سراً فیما بینهم، وذاع أمره داخل البیوت وفی أوساط العوام، وما زال أمره والإقبال یشتد حتى أصبح فی یوم من الأیام لوناً من الأدب. وقد أخذ هذا الطراز الجدید من الأدب الشعبی صورتین: إحداهما »الزجل


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر