تبلیغات
alarabee - الحمّانی شاعر العلویین
سه شنبه 21 دی 1389

الحمّانی شاعر العلویین

   نوشته شده توسط: zohre pourshaban    

رسالة التقریب - العدد ٣٢ 
أدب 
حیدر محلاتی 
1422 

"ملخّص"
الحمّانی شاعر العلویین فی العصر العبّاسی، وهو أیضا من الاسرة العلویة، والظروف الأدبیة والاجتماعیة والسیاسیة للشاعر دفعته لأن یخوض الاغراض الشائعة فی زمانه من منطلق انتمائه، فاستند الى القرآن والسنّة والتاریخ لیثبت معتقداته ویدعم ولاءه لآل البیت.
ساهمت الكلمة الشعریة وعبر تاریخها المدید مساهمة فعّالة فی بناء الحضارة الانسانیة وخاصةً فی توطید دعائم الثقافة ونشر العلوم والمعارف. وقد تبلورت هذه المشاركة بأوضح أشكالها عندما سلكت الكلمة الشاعرة مسلكاً هادفاً جسّدت فیه معاناة مقصودة - فردیة كانت أم اجتماعیة - صادرة عن مفهوم عقائدى قویم.
حینئذ وجدت الكلمة محلّها من الحیاة وهی تخرج من سذاجتها الفطریة ومن إطارها العاطفی الضیّق والمشحون بالمشاعر العریزیة الى عالم یصبوالى توظیف النتاج الفكری والابداع الفنی لصالح المبادئ الانسانیة والقیم البشریة الرفیعة.
ویبقی الشاعر وبكونه المبدع والمنتج للكلمة الشاعرة عنصراً فاعلاً فی الكیان الثقافی للمجتمع وأداة حیّة تسعى جاهدة الى تحقیق الأهداف الانسانیة السامیة من خلال العمل الأدبى المتّسم بالتزامات عقائدیة واجتماعیة على حد سواء.
ومن الطبیعی أن یتجسّد الالتزام العقائدی - بكل مفاهیمه ومصادیقه - فی الشعر الدینی وخاصةً الشعر الولائی الذی اتخذ من مبادئ الرسالة المحمدیة والقیم السامیة لتعالیم أهل البیت علیهم السلام مادة غنیة یستمد منها مفاهیم إنسانیة رفیعة ومعان شعریة خالدة تبقی على مرّ العصور
والأیام.
ولتمیّز الشعر بالتأثیر المباشر فی نفس السامع والمتلقی، وقابلیته الفنیة فی اختصار المعنى وإیصال المطلوب بأسلوب آسر وأخّاذ، أصبح - وفی العصور المتقدمة خاصة - الوسیلة الإعلامیة المثلى التی من خلالها یستطیع الشاعر أن یعبّر عن معاناته وهمومه وعن قضایاه التى لم تسمح السیاسة بحلّها عن طریق العمل السیاسی والتحرك الإصلاحی البنّاء.
ومن أولئك الشعراء الذین حملوا رایة الإعلام الرسالی عالیة خفّاقة بكل ما تنطوی علیها من مخاطر ومحن ومخاوف وتضحیات، الشاعر الحمّانی [١] علی بن محمد بن جعفر بن محمد بن زید بن علی بن الحسین بن على بن أبی طالب (علیه السلام).
قال عنه المسعودی المؤرخ وهویتحدث عن الهاشمیین فی الكوفة: "كان علی بن محمد الحمّانی نقیبهم بالكوفة وشاعرهم ومدرّسهم ولسانهم، ولم یكن أحد بالكوفة من آل على بن أبى طالب (علیه السلام) یتقدمه فی ذلك الوقت". [٢]
نشأ الشاعر فی بیت قدیم العهد بالشعر والأدب. فقد كان یقول: "أنا شاعر وأبی شاعر وجدی شاعر الى أبی طالب [٣]. ولم یكن الحمّانی بقوله هذا مبالغاً ومحض مدّع، ففصاحة اللسان وبلاغة البیان عریقة الاصول عمیقة الجذور فی بنى هاشم. وها هوأمیر البیان علی بن أبى طالب (علیه السلام) یقول: "وإنّا لأمراء الكلام، وفینا تنشّبت عروقه، وعلینا تهدّلت غصونه". [٤]
أما عن مسقط رأس الشاعر وتاریخ ولادته ووفاته فقد أغفل المؤرخون ذلك الاّ أنّ القرآئن والشواهد ترجّح بأن یكون الشاعر ولد فی الكوفة ما بین العقدین الثانی والثالث من المائة الثالثة للهجرة، وتوفی فیها سنة ٣٠١ هـ. [٥]
وبالنسبة الى شعره الذی وصل الینا فقد تنوعت أغراضه وتعددت مواضیعه الاّ أنّ أهمها ینحصر فی الشكوى والفخر والغزل والسیاسة والعقیدة. [٦] ویغلب استعمال الغرضین الأخیرین على سائر أغراض شعره.
ویتضح من خلال مطالعة شعره المجموع اهتمام الشاعر بأنواع البدیع وإكثاره من استعمال التضمین لأبیات مشهورة والاقتباس من القرآن الكریم والحدیث النبوی الشریف.
وما یهمنا فی هذا المقال هواكتشاف منهجیة الشاعر فی نظمه للشعر العقائدی وخاصة شعره فی أهل البیت (علیهما السلام) حیث یشغل مساحة واسعة من دیوانه.
مرّ آنفاً أنّ الشاعر كان نقیب الهاشمیین فی الكوفة وبحكم هذا الموقع كان محتّماً على الشاعر أن یبیّن أحقیة أهل البیت (علیهم السلام) فی قیادة الامة بعد الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله) ومواصلة طریق الحق الذی نهجه (صلى الله علیه وآله) من أجل توعیة الامة وهدایتها الى الكمال المَنشود، الى جانب الإشادة بتعالیمهم (علیهم السلام) وفضائلهم ومناقبهم والابانة عن مواقفهم الخالدة بغیة الاعتبار والتطبیق العملی لها فی شؤون الحیاة كافة.
والمطالع لدیوان الحمّانی یقف عند بدائع وروائع من الشعر الولائی الذی كرّسه الشاعر لذلك الغرض المقدس حیث یعد وبحق التزاماً دینیاً وعقائدیاً لم یحد عنه الشاعر طوال مسیرته الفكریة والاجتماعیة بالرغم من تحدیات العصر وضغوط الاجهزة الظالمة.
وتستوقفنا محاورة رئیسیة لدى استعراضنا قصائد الحمّانی الولائیة یمكن لنا أن نعدّها أُسُساً عامة لمنهجیة الشاعر فی نظمه لهذا اللون من الشعر. ولابد من الاشارة الى أنّ هذه المحاورة استخلصناها من مجموع شعره المتوفّر لدینا حالیاً وهوبطبیعة الحال لیس جمیع شعره. أما السمات البارزة فی شعر الحمّانی الولائی فهی كالآتی:
١ - الاستدلال بالآیات القرآنیة الكریمة لتبیین أفضلیة أهل البیت (علیهم السلام) وبیان حقهم المشروع فی الخلافة وولایة الأمر بعد النبى (صلى الله علیه وآله).
یعدّ موضوع قیادة الامة الاسلامیة بعد الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله) من المواضیع المهمة التی كثر النقاش حولها واحتدم الخلاف فیها منذ وفاته (صلى الله علیه وآله) وحتى یومنا هذا. ولا شك أنّ هذا الموضوع كان على بساط البحث فی عصر الشاعر الحمّانی وخاصة وأنّ الشاعر كان على رأس نقابة الهاشمیین فی الكوفة. فكان طبیعیاً أن یحظى هذا الموضوع بأهمیة خاصة من قبل الشاعر وینعكس بشكل واسع وكبیر على شعره.
وقد تعرّض الشاعر الى هذا الموضوع فی مواضع مختلفة من شعره مستدلاً بالآیات القرآنیة الكریمة على أحقیة أهل البیت (علیهم السلام) فی خلافة النبی (صلى الله علیه وآله) منها قوله:
وإنّ بكم یا آل أحمد أشرقت *** وجوه قریش لا بوجه من الفخر
وإنّ بكم یا آل أحمد آمنت *** قریشٌ بأیام المواقف والحشر
بأمركم یا آل أحمد أصبحت *** قریشٌ ولاة الأمر دون ذوی الذكر
إذا ما أناخت فی ظلال بیوتها *** أنختم ببیت الطهر فی محكم الذّكر [٧]
وفی البیت الأخیر إشارة واضحة الى قوله تعالى:
(إنما یرید الله لیذهب عنكم الرجس أهل البیت ویطهّركم تطهیراً) [٨].
وقد وردت أحادیث متواترة من مصادر الفریقین تدل على أنّ هذه الآیة نزلت فی الخمسة من أصحاب الكساء وهم النبى (صلى الله علیه وآله) وعلی وفاطمة والحسن والحسین (علیهم السلام) وقد صرّح بذلك عدد كبیر من المفسرین فی تفسیرهم لهذه الآیة الشریفة. أذكر هنا على سبیل المثال لا الحصر ما أورده الطبرسی فی تفسیره من طرق الفریقین حیث قال: وقد اتفقت الامة بأجمعها على أن المراد بأهل البیت فی الآیة أهل بیت نبینا (صلى الله علیه وآله) …. ذكر أبوحمزة الثمالی فی تفسیره: حدثنی شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة (علیه السلام) الى النبى (صلى الله علیه وآله) تحمل حریرة لها، فقال: ادعى زوجك وابنیك. فجاءت بهم، فطعموا، ثم القى علیهم كساءً له خیبریاً، فقال: "اللهم هؤلاء أهل بیتی وعترتی، فأذهب عنهم الرجس، وطهّرهم تطهیراً" فقلت: یا رسول الله، وأنا معهم؟ قال: أنت الى خیر.
وروى الثعلبی فی تفسیره أیضاً بالإسناد عن أم سلمة أنّ النبی (صلى الله علیه وآله) كان فی بیتها، فأتته فاطمة (علیها السلام) ببرمة فیها حریرة، فقال لها: ادعی زوجك وابنیك. فذكرت الحدیث نحوذلك. ثم قالت: فأنزل الله تعالى (إنما یرید الله) الآیة. قالت: فأخذ فضل الكساء، فغشّاهم به، ثم أخرج یده فألوى بها الى السماء، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بیتی، وحامتی، فأذهب عنهم الرجس، وطهّرهم تطهیراً" فأدخلت رأسی البیت، وقلت: وأنا معكم یا رسول الله؟ قال: إنّك الى خیر، إنّك الى خیر. [٩]
ومن جملة الآیات القرانیة الاخرى التی استدل بها الشاعر الحمانی فی شعره آیة الخمس من قوله تعالى:
(واعلموا إنما غنمتم من شیء فانّ لله خمسه وللرسول ولذی القربى والیتامى والمساكین وابن السبیل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا یوم الفرقان، یوم التقى الجمعان والله على كلّ شىء قدیر). [١٠]
وقد أشار الشاعر الى هذه الآیة فی قوله:
أناسٌ هم عدل القرآن ومألف الـ *** بیان وأصحاب الحكومة فی بدر
ومازهم الجبار منهم بخلّة *** یراها ذووالأقدار ناهیة الفخر
فأعطاهم الخمس الذی فضّلوا به *** بآیة ذی القربى على العسر والیسر [١١]
والمراد بذی القربى كما ورد فی الأحادیث الشریفة وكذلك فی تفسیر آیة الخمس وتفسیر آیة المودة من قوله تعالى:
(قل لا أسألكم علیه أجراً الاّ المودة فی القربى) [١٢]
هم علی وفاطمة، والحسن والحسین (علیهم السلام). وقد نوّه، الحمّانی الى آیة المودة بقوله:
یا آل حم الذین بحبّهم *** حكم الكتاب منزّلاً تنزیلا [١٣]
وقد وردت أحادیث كثیرة فی بیان مصادیق القربى وذویه نشیر الى بعض ما ورد فی كتب أهل السنة، لأنّ المصادر الشیعیة تعج بالأحادیث المتواترة والصحیحة فی هذا الشأن.
عن سعید بن جبیر عن ابن عباس "رضى الله عنهما" قال لما نزلت: (قل لا أسألكم علیه أجراً الاّ المودة فی القربى)، قالوا: یا رسول الله ومن قرابتك هؤلاء الذین وجبت علینا مودتهم. قال: علی وفاطمه وابناهما. [١٤]
وعن ابن عباس (رضی الله عنه) انه سئل عن قوله (الاّ المودة فی القربى) فقال سعید بن جبیر: قربى آل محمد (صلى الله علیه وآله). [١٥]
ولابد من الاشارة هنا الى أنّنا لا نرید فی هذا المقال أن نطیل من ذكر عدة مصادر للحدیث الواحد، بل نكتفی بالاشارة الى مصدر أومصدرین للتوثیق فقط. وكما مرّ قبل قلیل أنّ أغلب الأحادیث المنقولة فی هذا المقال مرجعها كتب أهل السنة لكونها حجة لهم وأنّها من الأحادیث الصحیحة والمشهورة عند الفریقین حیث اعتمدها الشاعر فی قصائده الولائیة دون أن یقتصر على الأحادیث الواردة فی كتب الشیعة فقط. وهذه الطریقة هی الطریقة المثلى التی تبناها الشاعر فی استدلاله النقلی حیث الحیاد والموضوعیة من أهم سماتها البارزة.
ونعود الى موضوع استدلال الشاعر بالآیات الشریفة ذات الصلة بأهل البیت (علیهم السلام) حیث تطرق الى آیة الانذار من قوله تعالى (وأنذر عشیرتك الأقربین)، [١٦] وفیها قال الشاعر:
وقال:
وأنذر أقربیك فخلّصت *** بنوهاشم قرباه دون بنى فهر [١٧]
وفى خصوص آیة الانذار ورد فی الأخبار أنّ رسول الله (صلى الله علیه وآله) جمع بنى عبدالمطلب فی دار أبی طالب فأطعمهم وسقاهم ومن ثم خطب فیهم قائلاً: "یا بنى عبدالمطّلب، إنّ الله بعثنی الى الخلق كافة، وبعثنی الیكم خاصّة، فقال عز وجلّ: (وأنذر عشیرتك الاقربین). وأنا أدعوكم الى كلمتین خفیفتین على اللسان ثقیلتین فی المیزان، تملكون بهما العَرَب والعَجَم، وتنقادُ لكم بهم الاُمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار، شهادة أن لا اله الاّ الله وأنّی رسول الله، فمن یُجبنی الى هذا الأمر ویؤازرنی علیه وعلى القیام به، یكن أخی ووصیی ووزیری ووارثی وخلیفتی من بعدی" فلم یجب أحد منهم.
فقال أمیرالمؤمنین (علیه السلام): "فقمت بین یدیه من بینهم - وأنا إذ ذاك أصغرهم سنّاً، وأحمشهم [١٨] ساقاً، وأرمصهم [١٩] عیناً - فقلت: أنا یا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر. فقال: اجلس، ثم أعاد القول على القوم ثانیة فأصمتوا وقمتُ فقلتُ مثل مقالتی الأولى، فقال: اجلس، ثم أعاد على القوم مقالته ثالثةً فلم ینطق أحدٌ منهم بحرف، فقلت: أنا أؤازرك یا رسول الله على هذا الأمر، فقال: اجلس، فأنت أخی ووصیی ووزیری ووارثی وخلیفتی من بعدی".
فنهض القوم وهم یقولون لأبی طالب: یا أبا طالب، لیهنك الیوم إن دخلت فی دین ابن أخیك، فقد جعل ابنك أمیراً علیك. [٢٠]
وثمة آیة أخرى تناولها الحمّانی فی شعره وهی قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) [٢١]. وقد روى حدیث عن النبی الأكرم (صلى الله علیه وآله) فی خصوص هذه الآیة المباركة عرف بحدیث المؤاخاة، حیث ذكره الشاعر فی قوله مخاطباً القرشیین:
إذا قلتم: منّا الرسول، فقولهم *** أبونا رسول الله فخرٌ على فخر
وآخاهم مثلاً لمثل فأصبحت *** أخوّته كالشمس ضمّت الى البدر
فآخى علیاً دونكم، وأصارهُ *** لكم علماً بین الهدایة والكفر [٢٢]
وروایات حدیث المؤاخاة كثیرة مرویة عن طرق الفریقین ولا مجال لذكرها هنا جمیعاً، ولكن بحكم المثل القائل: ما لا یدرك كلّه لا یترك كلّه، نذكر هنا للاستشهاد فقط ما ورد عن أهل السنة فی هذا الخصوص.
جاء فی حدیث عن عمر بن عبدالله عن أبیه عن جده أنّ النبى (صلى الله علیه وآله) آخى بین الناس وترك علیّاً حتى بقی آخرهم لا یرى له أخاً، فقال یا رسول الله آخیت بین الناس وتركتنی. قال: ولِمَ تَـرَ أنی تركتك، إنّما تركتك لنفسی أنت أخی وأنا أخوك. فان ذاكرك أحد فقل أنا عبدالله وأخو رسوله ولا یدّعیها بعدی الاّ كذّاب. [٢٣]
هذه جملة من الآیات المباركات التی أكّد علیها الشاعر فی قصائده الولائیة لصلتها الوثیقة بأهل بیت النبوة علیهم أفضل الصلاة والسلام، ومكانتهم السامیة بین شرائح الأمّة الاسلامیة، ولما لهم من فضل عظیم ودور مؤثر فی مجال الهدایة والارشاد والتوعیة والتثقیف.
٢ - الاستدلال بالأحادیث النبویة الشریفة
الاستشهاد بالسنّة النبویة الشریفة أسلوب استدلالی آخر استخدمه الشاعر لإثبات شرعیة الأئمة من آل البیت (علیهم السلام) فی ولایة الأمر وقیادة الامّة بعد النبی (صلى الله علیه وآله). وقد وظّف الشاعر أسلوبه هذا فی معظم شعره العقائدی، حیث یندر العثور على قصیدة ولائیة من شعر الحمّانی تخلومن هذا الاسلوب الاستدلالی المقنع.
ومن الأحادیث النبویة الشریفة التی ركّز علیها الشاعر فی شعره العقائدی هوحدیث الثقلین الذی أشار الیه فی عدة مواضع، منها قوله:
هم الثّقلان الداعیان الى الهدى *** مقام وصیٍّ أوبیان مصاحف [٢٤]
وقوله فی موضع آخر:
قومٌ إذا اعتدلوا الحمائل أصبحوا *** متقسّمین خلیفة ورسولا
نشأوا بآیات الكتاب فما انثنوا *** حتى صدرن كهولة وكهولا
ثقلان لن یتفرّقا أویطفئا *** بالحوض من ظمأ الصدور غلیلا
وخلیفتان على الأنام بقوله *** الحق أصدق من تكلّم قیلا
فأتوا أكفّ الآیسین، فأصبحوا *** ما یعدلون سوى الكتاب عدیلا [٢٥]
وحدیث الثقلین هوقول رسول الله (صلى الله علیه وآله): (إنی تارك فیكم الثقلین كتاب الله وعترتی أهل بیتی وإنهما لن یفترقا حتى یردا علیّ الحوض) [٢٦]. وقد بلغ رواة هذا الحدیث عن طرق الفریقین من الكثرة مما لا یسع المجال هنا الى التسمیة وذكر المصادر فقط حیث یشكل بحثاً مستقلاً قائماً بذاته.
وإضافة الى حدیث الثقلین فقد استشهد الشاعر بحدیث آخر هوحدیث المنزلة من قول رسول الله (صلى الله علیه وآله) لعلی بن أبی طالب (علیه السلام): "أنت منی بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبی بعدی" [٢٧] وقد اورد الشاعر مضمون هذا الحدیث فی سیاق بیان أفضلیة الامام (علیه السلام) إزاء وجهاء قریش:
وأنزله منه على رغمة العدى *** كهارون من موسى على قدم الدّهر
فمن كان فی أصحاب موسى وقومه *** كهارون؟ لازلتم على زلل الكفر
وأنزله منه النبی كنفسه *** روایة أبرار تأدّت إلى البرّ
فمن نفسه منكم كنفس محمد *** ألا بأبى نفس المطهر والطّهر [٢٨]
وحدیث المنزلة غنی عن التعریف وإیراد الأسانید لشهرته وتواتره. فقد نقله الفریقان نقلاً معلناً وجلیاً بلغ محلاًّ من الیقین والاعتبار لا یرقى إلیه أدنى شك.
وتستوقفنا مقطوعة شعریة ضمّنها الشاعر عدة أحادیث نبویة شریفة یبرز من خلالها بوضوح أكثر حدیثان نبویان، الأول: قول رسول الله (صلى الله علیه وآله) "الحسن والحسین سیدا شباب أهل الجنة" [٢٩] والثانی: قوله (صلى الله علیه وآله): "علی مع الحق والحق مع علی ولن یفترقا حتى یردا علیَّ الحوض یوم القیامة" [٣٠] والمقطوعة الشعریة هی:
أنتما سیّدا شباب جِنان الـ *** خُلدِ یومَ الفوزین والرَّوعتینِ
یا عدیلَ القرآنِ من بین ذی الخَـ *** لقِ، ویا واحداً من الثقلینِ
أنتما والقُرآن فی الأرضِ مُذ أنـ *** زل مثلُ السما والفرقدینِ
قمتما من خلافةِ اللهِ فی الأر *** ض بحقٍّ مقامَ مُستخلَفَینِ
قالَهُ الصادقُ الحدیثَ، ولن یفـ *** ترقا دونَ حوضهِ واردینِ (٣١)
ویتضح من الأبیات هذه أنّ الشاعر قد استرسل فی ذكر خصائص وممیزات أهل البیت (علیهم السلام) وخاصة فیما یتعلق بالامام علی وولدیه (علیهم السلام) لیستدل فی النهایة بقول رسول الله (صلى الله علیه وآله) المؤكّد على مواكبة أهل النبوة لطریق الحق السویة.
وقبل أن نختم هذا الفصل یبدومناسباً الاشارة الى أبیات ثلاثة ضمّنها الشاعر أحادیث صحیحة ومشهورة فی فضل الامام علی بن أبی طالب (علیه السلام) وكرامته وأحقیته فی ولایة الأمر وخلافة الأمة الاسلامیة. یقول فیها الشاعر:
ابنُ الذی ردّت علیـ *** ـه الشمس فی یوم الحجاب
وابن القسیم النار فی *** یوم المواقف والحساب
مولاهم یوم الغدیـ *** ر برغم مرتاب وآبی (٣٢)
وكما هوواضح فانّ البیت الأول یشیر الى معجزة طلوع الشمس بعد غروبها عصراً إكراماً لأمیر المؤمنین (علیه السلام). فقد جاء فی الحدیث عن أسماء بنت عنیس: كان رسول الله (صلى الله علیه وآله) یوحى الیه ورأسه فی حجر علی فلم یصل العصر حتى غربت الشمس. فقال رسول الله (علیه السلام): اللهم إنّ علیّاً كان فی طاعتك وطاعة رسولك فاردد علیه الشمس. قالت أسماء فرأیتها غربت ورأیتها طلعت بعد ما غربت. (٣٣).
أمّا البیتان الآخران فقد نقل فیهما الشاعر حدیثین شریفین من أحادیث النبی الأكرم (صلى الله علیه وآله):
الاول قوله (صلى الله علیه وآله): "علی قسیم النار" (٣٤). والثانی حدیث الغدیر المتواتر من قوله (صلى الله علیه وآله): "من كنت مولاه فعلی مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه". (٣٥)
كانت هذه طائفة من الأحادیث النبویة الشریفة التی تناولها الشاعر وتطرق الیها فی شعره الولائی وهی أحادیث متواترة ومشهورة معتمدة من قبل الفریقین وموثوق بها عند الجمیع. وقد اتضح من خلال هذه النخبة الحدیثیة المنتقاة حرص الشاعر على ركیزة الاقناع والتفهیم السلیم فی استدلالاته ومناظراته العقائدیة.
٣ - السرد الاستدلالی للوقائع التاریخیة.
لا شك انّ الدور الذی اضطلع به أئمة أهل البیت (علیهم السلام) فی صیانة الدین الاسلامی المبین یعد دوراً مهماً وأساسیاً. والمطالع للتاریخ الاسلامی یلحظ بوضوح تلك الجهود التی بذلها أئمة الهدى (علیهم السلام) فی نصرة الرسالة المحمدیة وبث الوعی الدینی السلیم بین شرائح المجتمع كافة.
وتستوقفنا ونحن نقرأ شعر الحمّانی جملة من الوقائع التاریخیة المهمة التی توثقت بها عرى الاسلام الحنیف وارتكزت علیها شرائع الدین المبین وهی حوادث مشهورة فی مناهضة المشركین ومقارعة أئمة الكفر والضلال من رموز الجاهلیة ورؤوس قریش.
وقد أومأ الشاعر الى طائفة من الوقائع التاریخیة التی شكّلت منعطفاً تاریخیاً خطیراً فی حیاة الامة الاسلامیة وهی فی طبیعة الحال أحداث تاریخیة أبلى بها الهاشمیون وفی طلیعتهم الامام علی (علیه السلام) بلاءً حسناً.
یقول الشاعر مفتخراً:
سائلا عنّا قریشاً *** ولیالینا الأولْ
نحن أصحاب حنین *** والمنایا تنتضل
وببدر حین وَلّوا *** قللاً بعد قلل
ولنا یومٌ بصفّیـ *** ـنَ ویومٌ بجملْ (٣٦)
وفی هذه الأبیات إشارات واضحة الى وقائع تاریخیة خالدة كان لأمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) جولات فیها وصولات. منها وقعة بدر فی السنة الثانیة للهجرة وقوله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة). (٣٧)، ومنها غزوة حنین فی السنة الثامنة للهجرة التی لم یثبت مع النبی من المسلمین غیر تسعة من بنی هاشم، وفیهم یقول مالك بن عبادة الغافقی:
لم یُواسِ النبی غیرُ بَنی ها *** شِم عند السیوف یومَ حُنَین
هربَ الناسُ غیر تسعةِ رهط *** فهمُ یهتفون بالناس أین
ثمّ قاموا مع النبی على المَوْ *** ت فآبوا زَیْناً لنا غیرَ شَین (٣٨)
ولدى استعراضنا شعر الحمّانی فی خصوص الوقائع التاریخیة التی شهدها العصر الاسلامی تستوقفنا وقعة تاریخیة خطیرة یمكث عندها الشاعر بشىء من التریث والتأمل هی وقعة أحد. یقول الشاعر:
وأوقع یوم أحد بهم جلاداً *** یزایل بین أعضاد الشؤون
فلم یترك لعبد الدار قرماً *** یقیم لواء طاغیة لعین
فَأَفضوا باللّواءِ إلى "صواب" *** فعانَقَه معانقة الوضینِ
فخذّمه أبوحسن فأهوى *** صریعاً للیدین وللجبین
ونودوا لا فتى الاّ علىٌ *** ولیس كذی الفقار حمى جفون (٣٩)
ویتضح من هذه الأبیات أن الشاعر قد ركّز على إحدى الخصال البارزة فی شخصیة أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) وهی شجاعته وإقدامه المنقطع النظیر فی الحروب. والواقع أن الحدیث عن بطولات أمیرالمؤمنین (علیه السلام) وتضحیاته وجهاده یتطلب بحوثاً ودراسات مستقلة لا یسعها هذا المجال ولا یفی بحقها هذا المقال. فالغایة هنا تبیین منهجیة الشاعر فی تعامله مع النصوص التاریخیة وروایات الأحداث لدى نظمه الشعر الولائی.
٤ - الإشادة بمناقب آل البیت (علیهم السلام)
یشكّل التعریف بمناقب أهل البیت (علیهم السلام) وفضلهم وسجایاهم الكریمة محوراً هاماً فی شعر الحمّانی الولائی. ولعل الاهتمام بهذا الجانب یكون مردّه الى عمق تمسّك الشاعر بتعالیم أهل البیت وتفانیه فی محبتهم (علیهما السلام) باعتبار ذلك معلماً من معالم التقرب الى الله تعالى، ومنجاة فی یوم الحشر العظیم.
ونستكشف من خلال مطالعتنا لقریض الشاعر الملتزم بخطى أئمة الهدى (علیه السلام) أنّه عاش الاسلام بجمیع جوارحه فتجسّدت له عظمة أهل البیت من خلال الاسلام الذی تشبّعت به روحه وقرارة نفسه، ورأى أنّ تعالیم أهل البیت (علیهم السلام) هی الامتداد الحقیقی لغنى الفكر الاسلامی والنظم المثلى فی بلورة المشروع الحضاری الاسلامی الذی یضمن سعادة الانسان فی الدنیا والآخرة.
وتركیز الشاعر على هذا المنحى من النظم یتأتى من خلال إیمانه بأنَّ التمسك بأفكار وأعمال أهل البیت (علیهم السلام) هوالملاذ الوحید والمنجى الحقیقی من الانحراف عن النهج الاسلامی الحق. فهم (علیهم السلام) عدّته فی الدنیا وملاذه فی یوم القیامة:
سادتی عُدّتی عمادی مَلاذی *** خمسةٌ عندَهم تُحطّ الرّحالُ
سادتی سادةٌ بهم ینزلُ الغیـ *** ثُ علینا، وتُقبلُ الأعمالُ
سادتی حُبّهم یَحُطّ الخطایا *** ولدَیهم تُصدّق الآمالُ
سادةٌ قادةٌ الیهم إذا ما *** ذُكِرَ الفضلُ تُضرَب الأمثالُ
وبهم تُدفَعُ المكارهُ والخیـ *** فةُ عنا وتكشَفُ الأهوالُ
وبهم طابت الموالیدُ وامتا *** زلنا الحقُّ والهدى والضلالُ
وبهم حُرّمَ الحرامُ وزال الـ *** شكُّ فی دینِنا وحلَّ الحلالُ (٤٠)
ویلاحظ من خلال إلقاء النظر على هذا اللون من شعر الحمّانی حرص الشاعر على تعمیق فكرة الامتداد الرسالی المتمثلة بأهل البیت (علیهم السلام) والذین یعدون امتداداً لرسول الله (صلى الله علیه وآله) حسباً ونسباً وعلماً ومعرفة. وقد أكّد الشاعر فی مواضع عدیدة ومواقف كثیرة على الصلة الوثیقة والممیزة التی تربط الأئمة من أهل البیت (علیهم السلام) برسول الله (صلى الله علیه وآله). نجد ذلك متجلّیا فی معظم شعره الولائی كقصیدته الدالیة المعروفة التی یبدأها بذكر قرابة أبی الأئمة أمیرالمؤمنین (علیه السلام) من رسول الله (صلى الله علیه وآله):
بین الوصىِّ وبین المصطفى نسبٌ *** تختالُ فیه المعالی والمحامیدُ
كانا كشمس نهار فی البروج كما *** أدارَها ثم إحكامٌ وتجویدُ
كسیرِها انتقلا من طاهر عَلم *** الى مطهَّرة آباؤها صیدُ
تَفرّقا عندَ عبداللهِ واقترنا *** بعدَ النبوةِ توفیقٌ وتسدیدُ
وذَرَّ ذوالعرشِ ذِرّاً طابَ بینهما *** فانبثَّ نورٌ له فی الأرض تخلیدُ
نورٌ تفرَّقَ عند البعث وانشعبت *** منه شعوبٌ لها فی الدّین تمهید (٤١)
ویتابع الشاعر بعد عرضه للنسب الهاشمی الشریف ذكر الخصال الحمیدة التی تحلّى بها الهاشمیون من شجاعة وإقدام وجود وإنعام ومناقب كریمة یتصف بها الأشراف الأفذاذ:
هم فتیةٌ كسیوف الهند طال بهم *** على المطاولِ آباءٌ مناجیدُ
قومٌ لماء المعالی فی وجوهِهِمُ *** عندَ التكرُّم تصویبٌ وتصعیدُ
یدعُونَ أحمدَ إن عُدَّ الفخارُ أباً *** والعودُ ینبتُ فی أفنانِه العُودُ
المُنعِمونَ إذا ما لم تكن نِعمٌ *** والذائدونَ إذا قلَّ المذاویدُ (٤٢)
ویستمر الحمّانی بعد ذلك فی عدّ مناقبهم (علیهما السلام) وما لهم من مواقف مشرّفة ومآثر خالدة لینتهی آخر المطاف الى الغایة والمقصد الحقیقی من النظم وهو بیان مانزل بهم من فجائع:
فی كلِّ یوم لهم بأسٌ یعاشُ به *** وللمكارم من أفعالِهم عیدُ
مُحسِّدونَ ومن یَعقِد بحُبِّهُم *** حبلَ المودّةِ یُضحِ وهومحسودُ
لا یُنكِرُ الدهرُ إن ألوى بحقّهم *** فالدهرُ مُذ كان مذمومٌ ومحمود (٤٣)
والتأكید على أحقیة أهل البیت (علیهم السلام) فی ولایة الأمر وهدایة الامة بعد الرسول (صلى الله علیه وآله) هی السمة البارزة التی یختم بها الشاعر قصائده الولائیة أوبالاحرى الشأن الأسمى الذی یدأب الشاعر فی إبرازه بشكل معلن وجلی لیجعل شعره ذاقیمة دینیة وتاریخیة یصلح أن یكون مادة غنیة یستمد منها الحقائق والصحیح من الوقائع:
یا آلَ أحمد أنتم خیرُ مشتمل *** بالمكرمات وأنتم خیر معتَرفِ
خلافةُ اللهِ فیكم غیرُ خافیة *** یُفضی بها سلفٌ منكم الى خَلَفِ
طِبتُم فطابَ موالیكم لطیبتكم *** وباءَ أعداؤكم بالخُبثِ فی النُّطفِ
رأیتُ نفعی وضری عندكم فاذا *** ما كان ذاك فعنكم أین منصرفی (٤٤)
ونخلص من هذا القول الى أنّ الشاعر لم یذكر مناقب أهل البیت (علیهم السلام) فی شعره لمجرد الذكر والسرد، بل عمد الى تأصیل وتعمیق الرؤى الدینیة والمفاهیم الاسلامیة المنبعثة من سیرتهم (علیهما السلام) بغیة الأخذ بها وترجمتها عملیاً على أرض الواقع وفی مجالات الحیاة كافة.
ولم یكن الشاعر - كما لا حظنا - مغالیاً ومسرفاً فی بیانه بل شاهدنا الاعتدال قائماً فی معظم أشعاره العقائدیة وخاصة فیما یتعلق بشعره الولائی لأهل البیت (علیهم السلام). وكما مرّ سابقاً فانّ الشاعر یهدف بأسلوبه هذا وأدائه البیانی الممیز الى تعمیق الحقائق الاسلامیة وتأصیلها فی المجتمع لتصبح فی النهایة منهل ارتواء ومورد استلهام من قبل المسلمین.
٥ - فخر الشاعر بانتسابه للنبی وأهل البیت:
یُعدّ الفخر وهو إشادة الشاعر بخصال نفسه والتحدّث بمآثر قومه ومكارمهم وطیب عنصرهم ورفعة حسبهم وشهرة شجاعتهم وغیر ذلك من الصفات الحمیدة التی تتسم بها القبیلة من أبرز أغراض الشعر العربی وفنونه. وهذا اللون من الأدب كان شائعاً منذ أقدم عصور الشعر وحتى یومنا هذا مع تغییرات وتحویرات طرأت علیه بتطور الزمان واختلاف الظروف.
ونلحظ من خلال مطالعتنا لشعر الحمّانی عنایته بأدب الفخر كثیراً. ولكن الفخر الذی نتوقف عنده فی أشعاره الولائیة یختلف تماماً عن الفخر الشائع بین الشعراء والذی سبق تعریفه آنفاً. فالفخر عند الحمّانی لیس عنصریاً أوقبلیاً ضیق الحدود، بل لا یمت أساساً الى النزعة الذاتیة المحدودة النطاق والمشحونة بالمفاخرات الفردیة والطائفیة.
إنّ الفخر عند الحمّانی مستقل قائم بذاته یمتاز بقیمة معنویة ودلالة عبادیة وهی الفخر بالانتساب للنبی الأكرم وأهل بیته الأطهار. (٤٥) ولا شك انّ هذه المیزة تمنح شعر الحمّانی الولائی بعداً قیمیاً آخر فضلاً عن أبعاده الدینیة والتاریخیة المتعددة التی مرّ ذكرها.
فالشاعر یفتخر بكونه من سلالة النبی الكریم (صلى الله علیه وآله) صاحب الرسالة الخالدة، وانّ آباءه هم الهاشمیین من ذوی الحسب والنسب الرفیع الذین شهدت لهم میادین الوغى مواقف لن تنسى فی نصرة رسول الله والذود عن الدین الاسلامی المبین وإعلاء كلمة الله فی الأرضین:
لقد فاخرَتنا من قریش عِصابةٌ *** بمطِّ خدود وامتدادِ أصابعِ
فلمّا تنازعنا الفخارَ قضى لنا *** علیهم بما نَهوى نداءُ الصوامِعِ
ترانا سكوتاً، والشهید بفضلِنا *** علیهم جهیرُ الصوتِ فی كلِّ جامعِ
بأنّ رسولَ الله لا شكَّ جدُّنا *** ونحنُ بنوهُ كالنجومِ الطوالعِ (٤٦)
وفی خصوص هذه الأبیات ورد فی مصادر مختلفة أنّ المتوكل العباسی سأل الامام علی بن محمد الهادی (علیه السلام) عن أشعر الناس. فقال الامام: الحمّانی، وأشار الى الأبیات المذكورة. فقال المتوكل: وما نداءُ الصوامع یا أبا الحسن؟ قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله، جدّی أم جدّك؟ فقال المتوكل: هوجدّك لا ندفعك عنه. (٤٧)
ویتضح من هذه الروایة أنّ تقدیم الامام للحمّانی باعتباره أشعر الناس وأفضلهم یعود الى القیمة المعنویة التی حملتها هذه الأبیات ونظائرها والى التزام الشاعر بتوظیف شعره وخاصة اللون الفخری منه لصالح المفاهیم الاسلامیة والتعالیم الدینیة القیمة.
وهذه ظاهرة فریدة فی حدّ ذاتها. فقلما نجد شاعراً یتجنب الذاتیة والفردیة فی الفخر لیتخذ من الموضوعیة والمثالیة عنصراً باعثاً ومحرّكاً فی منظوماته الفخریة.
وفضلاً عن إشارة الشاعر فی شعره الولائی الى نسبه الشریف للنبى وأهل بیته الأطهار، فقد ذكر مراراً وفی جوانب مختلفة من قصائد فخره ببطولات الهاشمیین ومآثرهم الخالدة فی الدفاع عن الاسلام منذ ظهوره وحتى عصر الشاعر:
إذا ما علا الأعواد منا ابنُ حرّة *** فأسفَر عن بدر ولا حظَ عن صقرِ
رأیتَ عدوالدین أخنعَ كاسفاً *** وذا الدینِ والاسلامِ مُنبلجَ الصّدرِ
لنا سیّدا هذا الأنامِ أبوّةً *** وسیّدتاهم فی المواقف والحشرِ
وما عالَنت كفٌّ بإنكارِ فضلِنا *** من الناس إلاّ وهی مُذعِنةُ السرّ
وإنّا أُناسٌ ما تَزالُ نفوسُنا *** مَحَبَّسةً بین المكارم والفخرِ (٤٨)
والحق أنّ مفاخرة الشاعر بهذه الخصال یعدّ لوناً من ألوان الفخر الرفیع أوما یمكن أن نطلق علیه الفخر الایجابى لما یحمل فی ثنایاه من قیم أخلاقیة سامیة ومثل معنویة رفیعة. ولا شك أن لمثل هذا الفخر الملتزم مردوداً إیجابیاً على صعید التوعیة والتثقیف. فالشاعر صادق فی فخره وصادق فی قوله وهوقول حق أراد الشاعر إنشاده على مسامع الناس بعد أن أثقلتها أبواق التهم الملفّقة.
إنّ الشاعر یفتخر بحسبه ونسبه لانّه من سلالة بلغت العز والمجد بأفعالها وأعمالها المشرّفة. ویكفیه فخراً أن یكون من ذریة یتربع على عرش مجدها ومفاخرها الرسول الأعظم (علیه السلام) ووصیّه وخلیفته من بعده الامام علی بن أبی طالب (علیه السلام):
بلغنا السمآءَ بأحسابنا *** ولولا السماءُ لَجُزنا السماءا
فحسبُكَ من سؤدَد أنّنا *** بحُسنِ البلاءِ كشَفنا البَلاءا
یطیبُ الثناءُ لآبائنا *** وذكُر عَلیٍّ یَزینُ الثناءا
إذا ذُكِرَ الناسُ كنا ملوكاً *** وكانوا عبیداً، وكانوا إماءا (٤٩)
وثمرة القول أن الشاعر قد وفق فی تعاطیه هذا اللون من الفخر أعنی الفخر الایجابی الملتزم، وذلك بسوق هذا النمط من الشعر نحو الحقائق الدینیة والمثل الاسلامیة القیمة، وابتعاده عن زخرف القول وباطل الكلام. وهی خصوصیة امتاز بها الشاعر عن سائر أقرانه ولداته من شعراء عصره على الرغم من الأجواء السیاسیة القائمة والأوضاع الاجتماع المتردیة التی عاشها الشاعر وخیّمت على نشاطه السیاسی والفكری.
وبعد هذه الجولة من البحث حول منهجیة الشاعر فی قصائده الدینیة وخاصة الولائیة منها یمكن أن نستنتج أنّ الشاعر كان قد وظّف نفسه فی تبیین الحقائق الدینیة المتعلقة بأحقیة أهل البیت بولایة الأمر وهدایة الأمّة الاسلامیة بعد الرسول الأعظم. وقد حاول الشاعر وبموضوعیة ملحوظة أن یثبت ذلك باستناده الى الآیات القرآنیة الشریفة الواردة بحق أهل البیت وكذلك الأحادیث النبویة الشریفة المختصة بأئمة الهدى، الى جانب الاشادة بمواقفهم المشرّفة ومآثرهم الخالدة فی صیانة الدین الاسلامی من كل آفة ومكروه.
لقد استطاع الشاعر وبحكم منصبه كنقیب للعلویین فی الكوفة وما أوتی من قدرة بیانیة ومقدرة جدلیة وكلامیة أن یدحض تقولات المنكرین وادعاءات الجاحدین لفضل أهل البیت من خلال أسلوب بیانی مؤثر ولغة شعریة رقیقة تترك فی القلب شعوراً طیّباً وإحساساً لطیفاً وعمیقاً، فرحم الله الحمّانی وجزاه عن الاسلام والمسلمین خیر جزاء المحسنین.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
١ - نسبة الى بنی حمّان الذین كانوا یسكنون الكوفة.
٢ - مروج الذهب، بتحقیق محمد محیى الدین عبدالحمید، دار المعرفة، بیروت، بدون تاریخ، ج ٤، ص ١٥١
٣ - الصنعانی: نسمة السحر، تحقیق كامل سلمان الجبوری، دار المؤرخ، بیروت، ١٩٩٩م، ج ٢، ص ٤٢٩
٤ - نهج البلاغة، تحقیق الدكتور صبحی الصالح، دار الهجرة، قم، ١٤١٢ هـ، ص ٢٥٤.
٥ - الشیخ الأمینی: الغدیر، دار الكتاب العربی، بیروت، ١٩٨٣، ج ٣، ص ٦٨. وقد ورد فی مروج الذهب (ج٤، ص ١٥٣) أن الشاعر توفی سنة ٢٦٠ هـ.
٦ - جمع شعره الدكتور محمد حسین الأعرجی ونشره فی مجلة المورد البغدادیة (مج ٣ / ٢٤ / ص ١٩٩ - ٢٢٠). كما وجمعه أیضاً مزهر السودانی ونشره فی مجلة كلیة الآداب - جامعة البصرة (مج ٧ / ٩٤ / ص ٢٩١ - ٣٤٣)
٧ - دیوان الحمّانی، تحقیق الدكتور محمدحسین الأعرجی، دار صادر، بیروت، ١٩٩٨م، ص ٧٢.
٨ - الأحزاب: ٣٣
٩ - مجمع البیان فی تفسیر القرآن، مؤسسة الأعلمی للمطبوعات، بیروت، ١٩٩٥ م، ج٨، ص ١٥٦، ١٥٧
١٠ - الأنفال: ٤١.
١١ - دیوان الحمّانی، ص ٧٢، ٧٣.
١٢ - الشورى: ٢٣.
١٣ - دیوان الحمّانی، ص ١٠٠.
١٤ - الطبرانی: المعجم الكبیر، تحقیق حمدی بن عبدالمجید السلفی، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ١٩٨٣م، ج ٣، ص٤٧.
١٥ - صحیح البخارى، تحقیق د. مصطفى دیب البغا، دار ابن كثیر، بیروت، ١٩٨٧ م، ج ٤، ص ١٨١٩.
١٦ - الشعرا، ٢١٤.
١٧ - دیوان الحمّانى، ص ٧٣.
١٨ - رجل أحمش الساقین، دقیقهما.
١٩ - الرَمَص: وسخ یجتمع فی مجرى الدمع.
٢٠ - الشیخ المفید: الإرشاد: تحقیق مؤسسة آل البیت لاحیاء التراث، قم، ١٤١٣، ج١، ص ٤٩، ٥٠.
٢١ - الحجرات: ١٠.
٢٢ - دیوان الحمّانی، ص ٧٣.
٢٣ - أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة، تحقیق الدكتور وصی الله محمد عباس، مؤسسة الرسالة، بیروت، ١٩٨٣ م، ج ٢، ص٦١٧.
٢٤ - دیوان الحمّانی، ص ٨٩.
٢٥ - المصدر السابق، ص ١٠٠.
٢٦ - المعجم الكبیر، ج ٥، ص ١٦٩.
٢٧ - صحیح مسلم، تحقیق محمد فؤاد عبدالباقی: دار احیاء التراث العربی، بیروت، بدون تاریخ، ج ٤، ص ١٨٧.
٢٨ - دیوان الحمّانی، ص ٧٣.
٢٩ - الطبرانی: المعجم الأوسط، تحقیق طاهر بن عوض الله بن محمد وعبدالمحسن بن ابراهیم الحسینی دار الحرمین، القاهرة، ١٤١٥، ج٤، ص ٣٢٥.
٣٠ - الخطیب البغدادی: تاریخ بغداد، دار الكتب العلمیة، بیروت، بدون تاریخ، ج ١٤، ص ٣٢٠.
٣١ - دیوان الحمّانی، ص ١٢٠.
٣٢ - المصدر السابق، ص ٣٥.
٣٣ - المعجم الكبیر، ج ٢٤، ص ١٥٠.
٣٤ - ابوشجاع الدیلمی: الفردوس بمأثور الخطاب، تحقیق السعید بن بسیونی زغلول، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٩٨٦، ج ٣، ص ٦٤.
٣٥ - أحمد بن حنبل: مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر، بدون تاریخ، ج١، ص ١١٨.
٣٦ - دیوان الحمّانی، ص ٩٧.
٣٧ - آل عمران: ١٢٣.
٣٨ - الارشاد، ج١، ص ١٤١.
٣٩ - دیوان الحمّانی، ص ١٢١.
٤٠ - المصدر السابق، ص ٩٦.
٤١ - المصدر السابق، ص ٥٦، ٥٧.
٤٢ - المصدر السابق، ص ٥٧، ٥٨.
٤٣ - المصدر السابق، ص ٥٨.
٤٤ - المصدر السابق، ص ٩٢.
٤٥ - محمود البستانی: تاریخ الأدب العربی فی ضوء المنهج الاسلامی، مجمع البحوث الاسلامیة، مشهد، ١٤١٣، ص ٥٨٠.
٤٦ - دیوان الحمّانی، ص ٨١.
٤٧ - ابن شهر آشوب: مناقب آل أبی طالب، دار الأضواء، بیروت، ١٩٨٥، ج٤، ص ٤٠٦.
٤٨ - دیوان الحمّانی، ص ٧١.
٤٩ - المصدر السابق، ص ٣٣، ٣٤.


 
لبخندناراحتچشمک
نیشخندبغلسوال
قلبخجالتزبان
ماچتعجبعصبانی
عینکشیطانگریه
خندهقهقههخداحافظ
سبزقهرهورا
دستگلتفکر